الصفحة 62 من 180

والثاني: وهو الأخطر، أن الثورة لم يكن لديها توجه واضح محدد في الثقافة أكثر تفصيلا من مجرد التوجه التاريخي العام إلى التقدم للأمام.

والثالث: كان أسوا أفات العمل الثقافي في ظل ثورة يوليو، هو قمع الحريات السياسية والفكرية. فعلى الرغم من الرواج الثقافي الرسمي، فإن كل ذلك الرواج كان مرتبطا بعدم تجاوز حدود معينة في النقد والاعتراض، وكانت حالات اعتقال وحبس المفكرين والمثقفين بسبب الآراء او الاعتقادات الفكرية كثيرة (حب الشيوعيين من 1959 حتى 1964، وحبس الإخوان المسلمين 54، 1995) .

وعلى الرغم من الطابع العلماني الذي ذكرناه آنفا، فإن من مثالب العمل الثوري الفكري اثناء ثورة يوليو الشعور بالضعف تجاه الفكر الديني. وقد أدى بها هذا الشعور إلى التعامل الإداري البوليسي مع هذا الفكر، لا التعامل السياسي (الحزبي) او الفكري: الصراع الأيديولوجي و المقارعة والفكرية،

كانت المعالجة بالعنف والقهر والسجن، وكان العنف والسجن مناخا أفرخ البذور الأولى للتطرف الفكري الديني الذي تفشى وراج حاليا. وكلنا نذكر أن سيد قطب قد اتجه اتجاهه المتطرف وبدا يؤسس لنظريته الأصولية حول جاهلية المجتمعات الراهنة، في الشتاء سجنه قبل إعدامه عام 1911.

3-كان من نتيجة ديمقراطية التعليم والاهتمام بتخريج كميات كبيرة من الخريجين كل عام والتزام الدولة بتعيين الخريجين، في نفس الوقت الذي تقدم فيه الدولة المناهج الدراسية الكلاسيكية التقليدية، أن تدني الوعي التعليمي والعلمي والفكري إلى حد رهيب. وهو ما يجعل موث بعض دعاة النخبوية الرجعية، اليوم، عاليا، في الدعوة إلى إلغاء مجانية التعليم، وقصره على القادرين والنابغين، ليعود التعليم طبقيا، مثلما كان قبل الثورة، لا يقدر عليه إلا الموسرون الأغنياء

وفي المقابل، كان من نتيجة إعفاء الجماهير من العمل السياسي وحرمانها من القيام بدورها وإفهامها أن هناك قيادة تنوب عنها في العمل السياسي والحزبي (العامل في مصنعه، والفلاح في حقله، والتفكير السياسي في شئون الوطن هو من اختصاص القادة المؤهلين لذلك) ، كانت النتيجة أن تدني الوعي السياسي وتدني العمل الجمعي، وتكرس لدى الناس شعور بعدم جدوى المشاركة السياسية، وهو شعور مازال مستمرا حتى الآن في وجدان وسلوك الناس، حتى بعد التعدد الحزبي الجزئي الظاهر، فما زالت الجماهير تعتبر نفسها ملغاة ومعفاة من المشاركة في لعبة"السياسة"، لأنه لا جدوى حقيقية من هذه المشاركة، مثلما كان الأمر من قبل.

-على أن أخطر هذه الملامح السلبية، كان فوقية الإجراءات الاجتماعية أو الثقافية على السواء، لقد ظلت هذه الإجراءات بسبب فوقيتها إجراءات هشة مصنوعة، غير متناسجة مع البنية التحتية أو متولدة منها، مما سهل سمعه فيما بعد- تقريفها وتصفيتها والإطاحة بها بدون أية حماية جماهيرية: تصفية كل المجالات الثقافية الجادة في السبعينيات وإحلال مجلات تعيسة محلها، تصفية المؤسسات العامة في السينما وغيرها من قطاعات.

وحينما انفجرت في المجتمع كله قنبلة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات كان من السهل أن تتهاوى هذه الإنجازات الإدارية الفوقية بيسر مذهل، ووصل الأمر إلى حد إلغاء السادات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت