الثورة البرجوازية الوطنية والمثقفين المصريين التقدميين خاصة في مرحلة من العمل الوطني لم تكن هي اصلا اقل تركيبا وتعقدا مما تفرزه من علاقات بين السلطة الوطنية والمثقفين
1 -مثقفون وعسكر
بعد كتاب صلاح عيسي"مثقفون وعسكر"وثيقة تاريخية هامة من وجوه عديدة لصاحب الكتاب ليس مثقفا عاديا، فضلا عن كونه صحفيا متميزا، فهو مؤرخ ذو منهج مادي جدلي في النظر إلى التاريخ المصري (صدر له: حكايات من مصر، الثورة العرابية، البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة) . وهو لذلك كله يعطي مثالا واضحا لنموذج المثقف المتحرك، الذي لا يرقب من بعيد بتأمل ذهني، مثلما يفعل بعض المؤرخين أو بعض المفكرين. وباعتباره مؤرخا، فهو حينما يكتب عن الثقافة والسلطة والمثقفين في العقود الثلاثة الأخيرة (6080 - 70) فإنما يؤرخ من واقع المشاركة العملية ومن خبرة المساهمة الميدانية في الحديث، ومن واقع دفعه لأثمان هذه المشاركة الفعلية ولأثمان سوء هذه العلاقة بين العسكر والمثقفين
كما أن شهادته تكتب فوق ما سبق- مصداقية جديدة، ناجمة عن كونها تتعرض للفترتين الكبيرتين معا: فترة عبد الناصر وفترة السادات. فهو بذلك لا يلوي الرصد لصالح مرحلة ضد مرحلة، بل هو يسجل استمرار بعض المظاهر والظواهر والمفاهيم لدى السكر والمثقفين على السواءفي المرحلتين، واتصال تناسخها وتكاثرها على الرغم من تغيير لافتة النظام العلنية من عبد الناصر إلى أنور السادات.
وهو، أخيرا، لا يكتفي برصد أخطاء العسكر في مواجهة المثقفين فحسب، بل إنه كذلك- لا يغمض البصر عن رصد أمراض المثقفين في كلا العهدين وأخطائهم في مواجهة العسكر وفي مواجهة واجبهم الثقافي.
ومثقفون وعسكر بعد كل ذلك، شهادة ذاتية حية، لأنه يضم المقالات والحوارات والمساهمات الفكرية والثقافية التي قدمها صلاح عيسى منذ منتصف الستينيات حتى منتصف الثمانينيات (عبر 759 صفعة، صادرة عن مكتبة مدبولي عام 1986) ، فهي خلاصة عشرين عاما من المجال الفكري والثقافي والسياسي، النظري والعملي، في آن.
والأجزاء المتصلة بحالة المثقفين في ظل حكم عبد الناصر موضوع حديثنا هنا هي في حقيقتها بيان جيل كامل، الذي نسميه اليوم جيل الستينيات، عن معايشته وانكساره بهذه التساقطات التي ازدحمت بها صورة الحياة المصرية ايام عبد الناصر، وخاصة في لوحة الثقافة والمثقفين.
وهو إذ يرصد أشكال القهر والعسف السياسي والإداري والفكري الذي وقع على هذا الجبل وعلى غيره من اجمال، ربما) فإنما يرصد في نفس الوقت أثر هذا القهر على سلوك وكتابات وارواح هذا الجيل المطحون
إن هذا الجيل بتعبيره-"عينة صالحة لدراسة اثر القهر على الأدب والفن، والمهم، على الإنسان".