هذا الجيل الذي شهد هو والجيل السابق عليه انقلابات فكرية بطريقة الانقلابات العسكرية مفاجئة، وغير مبررة أو مؤصلة، نقلت البعض من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن صلابة الاعتراض إلى مذلة التبرير
وهو، كذللق، الجيل الذي عرف أنماطا من المثقفين يفهمون الثقافة على انها لسان ترب وقلم سيال وعقل يملك مهارة الاحتيال على الحق ليصبح باطلا، وعلى الأسود ليجعله أبيض، يلعبون بالأفكار ويضحكون على النفون ويسريلون أدتا الأغراض باتيل الشعارات، ومعظم هؤلاء للأسف الشديد من اصول اجتماعية متواضعة، نحتوا بأظافرهم في الصخر طريقا صعبا وداميا ليصعدوا من اسفل السلم الاجتماعي، إلى حيث يصبحون أقرب ما يكون إلى القمة، وحين يجدون أنفسهم هنالك، تأسرهم أضواء الكاميرات ويفقدون تقدير أنفسهم فيستكثرون ما وصلوا إليه، ويعضون عليه بالتواجد حتى لا يضيع، ويتملكهم رعب السقوط إلى القاع الذي صعدوا منه، وتصطك اوصالهم وأسنانهم فرقا من اعباء الانتماء للفقراء الذين كانوا منهم يوما، ورعبا من السجون والفصل والتجميد فيتطوعون التبرير كل ما يفعله السادة
هذه هي كلمات صلاح عيسى، ابن جيل الستينيات، حول أجيال سابقة عليه وعلى جيله، فهل الكائه، الشاهد، بشير بطريقة ضمنية إلى هؤلاء الذين قلنا منذ قليل أنهم ساهموا بوعي أو بدون وعي في ترسيخ التجريبية النفعية للثورة، واجتهدوا- بالوهم او بالاقتناع الحق في منح الإجراءات العشوائية والعسفية أطرها النظرية التي تبررها وتسهل ابتلاع الجماهير لها باعتبارها نظريات تاريخية جديدة
ولكن، هل هذا هو الوجه الوحيد لمثقفي جيل الخمسينيات، الذين عاشرهم وعايشهم جيل الكاتب الشاهد
أن الكاتب، نفسه، يسارع بنفي ذلك، مؤكدا أن جيله قد عاصر تنويعات من المثقفين لا أول لها ولا أخر، فعرفنا مثقفين اقوياء، فيهم صلابة حقيقية وشجاعة داخلية، تتوزع على مدى العمر، وتمر مع التجربة، وتؤثر ايجابيا في بناء الآخرين
في مقاله"دفات جنائزية على دفوف الستينيات الذي كتبه الشاهد من صديقه وابن جهله القاص يحيي الطاهر عبد الله، إثر وفاته في حادث سيارة عام 1981 - سيرة موجزة لتاريخ جيل، كما أشار الكاتب نفسه، في تبرير وتصدير الكتاب كله بهذا المقال، على الرغم من انه كتب في خريف 1981"
ولهذا، فإنني سوف اكتفي بأن أقتطف من هذا المقال جزءا يصور بمرارة وبلاغة معا- سيرة هذا الجيل وماساته العظيمة، ولأن هذا المقتطف في ذاته يشكل قطعة ادبية ووثائقية في أن لا تحتاج إلى کثير شرح وتحليل، عدا بعض الإشارات السريعة سأقدمها بين قوسين
اعترافات شاهد من جيل الستينيات .. وحين كان الزمن حرياء شح الخبز ونقص الأدام. وكثر في حانة"مخالي"الكلام (حائة مخالية