الصفحة 195 من 434

أولا، أن"الربيع العربي"لم يكن إسلامية، ولا يمكن لأي تيار إسلامي أن يدعي أن له الفضل في قيادته أو المساهمة في اندلاعه. فالإسلاميون لم يكونوا في مقدمة الحراك في بادئ الأمر، سواء في تونس أو مصر أو المغرب، وكانت التظاهرات مدنية وغير مؤدلجة. وقد جاءت إسهامات الإسلاميين متأخرة. كما اضطرت كل القوى الإسلامية الملتحقة بالحراك إلى الالتزام بالشعارات والمطالب التي رفعتها القوى الشبابية التي أشعلت الثورات. والقاسم المشترك بين العديد من الحركات الإسلامية في تعاطيها وتفاعلها مع بداية انطلاق"الحراك العربي"هو الارتباك والتردد، فقد فاجأهم زخم الحراك الشبابي ولم يدركوا أهميته وحجم نتائجه وتداعياته. لكن ما إن تبين أن المسار الثوري لا رجعة فيه، حتى سارعت هذه الحركات إلى الالتحاق بركب الحراك وانخرطت في صفوفه، وأظهرت قدرة وطموحا كبيرين في سعيها لاستثمار"الربيع العربي"وجني مكاسبه عبر المشاركة السياسية في السلطة التي حرمت منها عقود طويلة.

ثانية، أن وصول الإسلاميين إلى الحكم في تونس ومصر والمغرب وضعهم أمام امتحان مصيري لاختبار مدى أهليتهم في السياسة وممارسة السلطة، ولإثبات مقدرتهم على إدارة شؤون الدولة والمجتمع. ويشكل دخول بعض التنظيمات الإسلامية المعترك السياسي والمشاركة في السلطة مرحلة سياسية جديدة في مسارها التاريخي، فقد بدأت في الانتقال والتحول من موقع الدعوة إلى موقع الدولة، ومن دور المعارضة إلى دور السلطة الحاكمة، ومن واقع التهميش والإقصاء من العمل السياسي إلى دائرة تحمل مسؤوليات صنع القرار وتسيير دواليب الدولة. وهذا يفرض عليها مواجهة مجموعة مركبة ومتشابكة من التحديات الأساسية التي لم تعرفها من قبل، أو لم تستعد لها، أو لم تكن في حسبانها طوال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يجعلها أمام مفترق طرق. فالحركات الإسلامية أمام خيارات عملية تحتاج إلى الحسم، وطريقة تعاملها مع الواقع ومشكلاته هي التي ستحدد مستقبلها في السلطة، وكل الاحتمالات واردة بالنظر إلى الرهانات الصعبة والشائكة المطروحة أمامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت