الصفحة 196 من 434

ثالثا، بقدر ما يتقدم الإسلاميون على مستوى الاندماج السياسي عبر العمل السياسي والمشاركة السياسية وتسيير الشأن العام، تتراجع أفكارهم ومفاهيمهم التقليدية، وتتأكل مرجعياتهم الدينية، وذلك بفعل خضوع هياكلهم التنظيمية ومنطلقاتهم العقائدية المفعول التحديث السياسي، بمعنى أن التراجع ليس في النفوذ الاجتماعي للإسلاميين، بل في نفوذ مشروعهم السياسي والأيديولوجي. وكلما انخرط الإسلاميون في الفضاء العام، ابتعدوا عن الأيديولوجيا وأصبحوا أكثر واقعية وعقلانية. وفي ظل غياب اقتراح بدائل أيديولوجية وسياسية فاعلة من قبل خصومهم، سيستمر تأثيرهم في المشهد السياسي في العالم العربي. ومن المنتظر أن يتزايد الحس السياسي البراجماتي لدى الأحزاب الإسلامية بفعل انخراطها واستغراقها في العمل السياسي ودخولها ميدان الحكم، ما يجعلها تبتعد ما أمكن عن طرح أسئلة الهوية وأسلمة المجتمعات لتلتزم ببرامج سياسية لا تبتعد كثيرا عن برامج الأحزاب الوطنية الأخرى. كما أن هناك ضغوطا عدة تدفعها إلى عدم التمايز بخطاب ديني طهراني في التنافس السياسي والانتخابي؛ أي الدخول في صيرورة علمنة إجرائية تقوم على خطاب المنطق والعقل والحلول الواقعية والعملية وحسابات المكاسب والخسائر.

رابعا، تتجلى أزمة الواقعية لدى التيارات الإسلامية في وجود فجوة تزداد تعق بعد وصولها إلى السلطة، بين التنظير والممارسة، وما يحدث الآن هو تقدم الممارسات السياسية العملية على الأطر النظرية، فهذه الممارسات تجاوزت في مجالات معينة الأسس الفكرية والنظرية التي تقوم عليها هذه التيارات، والتي اعتادت أن تبرر من خلالها مسلکياتها ومواقفها في العمل السياسي. وغالبا ما يتم تبرير هذا التجاوز بأحكام الضرورة أو فقه المرحلة وتوازناتها، أو بالبراجماتية السياسية ورعاية المصلحة الوطنية. وفي هذا الإطار، فإن صدمة الإسلاميين بالسلطة جعلتهم يكتشفون أنه لا خيار لهم غير تدبير الانتقال من عالم"الشعارات والخطب"إلى عالم"الأفعال والنتائج". والمعيار الذي سيحكم في المستقبل القريب على تجربة الإسلاميين في الحكم هو مدى واقعية برامجهم وسياساتهم العامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت