طارق عثمان أن الإسلاموية «توفر بديلا اجتماعية للفقراء، وفسحة للشباب الذين يفقدون
الأمل في التعبير عن غضبهم، وأيديولوجيا للمهمشين للعودة إلى الإسلام النقي، وموقع مريحة ومعتدلا في إطار ديني للطبقة الثرية والليبرالية». (2)
وشأنها شأن القبلية، خضعت الإسلاموية لعملية تاريخية مماثلة نسبيا في المنطقة العربية، باستثناء المملكة العربية السعودية التي تبنت الإسلام بوصفه أيديولوجية دولة أو فلسفة حكم. وفي هذا الإطار، يلاحظ أنه في ظل الدولة العثمانية، لعبت النخبة الدينية المنتمية إلى المذاهب السنية المعروفة دورة رائدة في الحفاظ على النظام الاجتماعي. وفي الحياة الدينية، كان التغيير تدريجيا، ولكنه كبير، حيث أخذت الصوفية تختط لنفسها طريقة منفصلا عن إطار الإسلام التقليدي في مصر على الأقل في القرن الخامس عشر؛ ومن هنا، فقد استقطبت شتى الطرق الصوفية، مثل الشاذلية و الخلوتية والأحمدية وغيرها. كما كانت القيادات الدينية الصوفية تحظى أيضا باحترام الناس العاديين، فضلا عن النخبة العسكرية. وفي المولد النبوي وموالد مشايخ الطرق الصوفية المشهورين، كان آلاف الناس يشاركون في الاحتفالات الواسعة النطاق. وغدت زيارة أضرحة أولياء الله الصالحين شعيرة دينية يومية في مصر آنذاك (3) . ويمكن للتأثير الاجتماعي لرجال الدين، بوصفهم فاعلين رئيسين في النظام الاجتماعي، أن يشجع الناس على التمرد أو التهدئة (4) . وفي ظل الدولة العثمانية، لعب علماء الدين السنة المعروفون وزعماء الصوفية في الكثير من البلدان العربية دورة رئيسة في الحياة السياسية والاجتماعية، حيث عملوا كوسطاء بين النخبة العثمانية الأجنبية الحاكمة وسواد الناس (5) .
ومع تفكك الدولة العثمانية وما تلا ذلك من ظهور للدول القومية المركزية بعد الحقبة الاستعمارية، تغير موقف علماء الدين بشكل ملحوظ. وفي حالة مصر على سبيل المثال، تم تقليص سلطة العلماء مع قيام محمد علي - الذي يشار إليه بأنه أبو عملية التحديث - وخلفاؤه، بالتأسيس تدريجيا لهياكل حكومية حديثة تفصل الدين عن السياسة قدر الإمكان. و همش محمد علي القوى الدينية القائمة من خلال تأميم الأوقاف الدينية (6) . ولذا اضطر علياء الدين إلى التشبث بالامتياز التقليدي المحدود جدا في مجالي التعليم والقضاء. (7)