الصفحة 249 من 434

وأدني ما يمكن أن يهبط فيه، وممارسة السياسة باسم الدين أو مباشرة الدين بأسلوب السياسة يحوله إلى تحزبات لا تتوقف وصراعات لا تخمد، فضلا عن أنها تحصر الغايات في المناصب، وتخلط الأهداف بالمغانم وتفسد الضمائر بالعروض. لكل أولئك فإن تسييس الدين أو تديين السياسة لا يكون إلا عملا من أعمال الأشرار أو عملا من أعمال الجهال غير المبصرين، لأنه يضع للانتهازية عنوانا من الدين، ويقدم للظلم تبريرة من الآيات، ويعطي للجشع اسم من الشريعة، ويضفي على الانحراف هالة من الإيمان، ويجعل سفك الدماء ظلما وعدوانا عم من أعمال الجهاد». (13)

إن الزج بالدين في السياسة خطر على كليهما، ومن ثم خطر على الدولة والمجتمع. ولذلك فإن الأحزاب الإسلامية التي تحاول فرض هيمنتها بالاستثمار المنظم لمورد حيوي هو الدين وذلك في مجتمعات مسلمة، هي في الحقيقة ترتكب خطأ كبيرة، حيث إن مسلكها هذا يضع المجتمعات بين مطرقة ما درجت عليه من عقيدة دينية سليمة، وسندان أحزاب زجت بالدين وفق مفاهيم سياسية وبرامج حزبية دنيوية تتعلق بالاقتصاد والمجتمع والمؤسسات وغيرها، وليس انطلاقا من العوامل الدينية. فضلا عن أن الزج بالدين في المجال السياسي العام يورط ضعاف النفوس وضعاف العقيدة الدينية في ممارسات تترك تداعيات سلبية على الدولة والمجتمع.

وإذا كان أي حزب في السلطة يحتاج إلى أيديولوجيا للحفاظ على بقائه واستمراره فيها، فإن شرعية الإنجاز في إطار الالتزام بالديمقراطية الحقيقية هي الضمان لذلك وليس الأيديولوجية. كما أن الحزب الذي يخسر السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، يمكن أن يعود إليها مرة أخرى بالطريقة نفسها، مادام هناك احترام لمبدأ التداول السلمي للسلطة. وبالمقابل فإذا اتسمت الأيديولوجية بطابع إقصائي كما كانت عند هتلر وموسوليني، أو طبعت بلون ديني صرف، فإن فعلها في هذا الحالة سوف يكون ضد الديمقراطية (14) ، حيث سيؤدي إلى إيجاد صراعات عنيفة بين المؤسسات بعضها بعضا، والأفراد بعضهم بعضا، وستحدث في المجتمع حالة من الانقسام والاستقطاب قد تهدد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت