الصفحة 251 من 434

وهنا تكون المفاضلة على أساس مدى القدرة على تحمل الأمانة ومسؤولية التسيير، حيث إن ذلك يحتاج إلى مسؤولين أكفاء وذوي خبرة في العمل العام، وبالطبع إذا كان المسؤول ذا خلق ودين فهي مسألة تعود إليه، ولكن يجب عدم الخلط بين الدين في شقيه التعبدي والأخلاقي، وبين السياسي في إدارة الشأن العام.

ومن المعروف أن من بين تعريفات السياسة أنها"فن إدارة الاختلاف"، فالمعارضة تقف للحكومة بالمرصاد في كل صغيرة وكبيرة من خلال وسائل وقنوات مشروعة، وهذا دورها حتى تستقيم الحكومة أو تفقد السلطة عندما تلجأ المعارضة إلى الناخبين لإقناعهم بعدم التصويت لها في الانتخابات المقبلة. وفي ضوء ذلك، يمكن القول: إن جوهر الدين يوحد ولا يفرق، والدين الإسلامي هو دين التوحيد بإطلاق، ولكن أساس السياسة هو إدارة الاختلاف بمعنى أن جوهرها وروحها التفريق لا محالة. السياسة تقوم حيث يوجد الاختلاف، أو حيث يمكن أن ينشأ، وبالتالي فهي أقرب إلى أن تكون"فن إدارة الاختلاف"منها إلى أي شيء آخر. والإدارة هنا تعني إما إدارة الاختلاف القائم، أو العمل على إيجاد اختلاف آخر جديد. ومن هنا كان ربط الدين بالسياسة - أيا كان نوع هذا الربط ودرجته - مدخلا لنقل جرثومة الاختلاف إلى حيز الدين، والاختلاف في الدين إذا كان أصله سياسية يؤدي إلى مشكلات داخل المجال السياسي العام، وقد يؤدي في حالاته القصوى إلى إذكاء الطائفية وإشعال الحروب الأهلية.

وبناء على ما سبق، فإن مسألتي التطور والنضج ضروريتان عند كل حزب سياسي يتصدى للعمل العام، بحيث يطرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية وغيرها طرحا علميا صحيحا، ثم يقدم برنامجه للتعامل معها، وعلى ذلك، فإن الأحزاب السياسية في البلدان العربية مطالبة اليوم بأن ترتفع إلى مستوى الأهداف والأولويات المجتمعاتها، وعلى رأسها تسيير الشأن العام الذي من خلاله تنمو المجتمعات وتتطور اقتصادية واجتماعية، فإذا حولت السياسة الدين إلى عامل تفريق، فعندها سوف تفشل خطط التنمية، وربما تتعرض الدولة لخطر التفكك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت