الصفحة 335 من 434

وبين الدين والدولة»، وتحدث عن صحيفة المدينة واعتبرها دستورة لأول دولة إسلامية وقال عنها: «هي ربما من أقدم الدساتير في العالم» (كان يتحدث على بعد بضعة كيلومترات من قرطاج التي عرفت الدستور قبل ظهور الإسلام بأكثر من عشرة قرون!) . لكن المهم أن الغنوشي يرى في هذه الصحيفة «تمايزة واضحة بين الديني والسياسي» ، بيد أن كل كلامه دار حول التجربة النبوية، ولم يكلف نفسه أن يتساءل: هل من المشروع أن يتخذ شخص آخر أو حزب من الأحزاب مقام النبي فيقيس هذا بذاك؟

والنتيجة التي يتوصل إليها لا تخلو من الغموض، فمن جهة هو يقول «ليس من مهمة الدين تعليمنا أساليب الحکم و کيف ندير الدولة؛ لأن كل هذه تقنيات والعقل مؤهل فيها إلى أن يصل إلى الحقيقة من خلال تراكم التجارب، أما مهمة الدين فهي أن يجيب عن القضايا الكبرى التي تتعلق بوجودنا وأصلنا ومصيرنا، وأن يعطينا نظام قيم ومبادئ تمثل توجيهات التفكيرنا وسلوكنا والأنظمة الدولة» ، بما يعني أن الشريعة هي مجموعة مبادئ وقيم وليست أحكامة تفصيلية، لكنه لا يصرح بهذه النتيجة ولا يقول هل يقبل بالعلمانية كإجراءات ترتيبية من دون مضمون فلسفي أم لا يقبل؟ وهل المسيحية وحدها هي التي شهدت الاستبداد باسم الدين، ولم يحدث أن أستعمل الدين لتبرير الاستبداد في التاريخ الإسلامي؟ وهل الاجتهاد الذي يتحدث عنه هو الاجتهاد المتفتن الذي ضبطته كتب أصول الفقه قدي أم هو الاجتهاد بالمعنى اللغوي العام؟ إلى غير ذلك من المسائل التي تبقى عالقة. وفي ضوء ذلك يبدو أن الغاية من المحاضرة كانت إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة، عبر مركز إسلامي - أمريكي، مفادها أن حركة النهضة حركة حديثة، وقد وردت في المحاضرة الكثير من الإشارات التمجيدية للعلمانية الأمريكية التي تساند الدين ولا تحاربه، بحسب الغنوشي.

ولذلك يلاحظ أن الفقرة التي ترد کتلخيص للمحاضرة تختلف بين النصين العربي والإنجليزي، فالأول موجه إلى الرأي العام المحلي والثاني موجه إلى الرأي العام الخارجي. ففي الصيغة العربية ترد الفقرة مفككة ومبهمة على النحو الآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت