الجندي ما تكون دائرة الممارسة المباشرة وما يتخللها من الاحتمالات محدودة الى درجة متناهية. وعلى نقيض مهنة الهندية مهنة الطب فأن هذه لديها من الممارسة ما لا ينقطع سيله، ومع ذلك فان جلائل الأعمال كان الفضل في ظهورها برجع عادة إلى من يعملون في البحث والاستقصاء لا إلى الأطباء الممارسين الذين يتعاطون مهنتهم بوجه عام.
ثم ان الممارسة المباشرة محدودة بطبيعتها إلى درجة يتعذر معها تكوين أساس ثابت تبني عليه النظريات أو يقوم عليه تطبيقها. فهي في أحسن حالاتها توجد جوا صالحا له قيمته في ترسيخ بناء أفكارنا وتقويته. أما قيمة الممارسة غير المباشرة، التي هي أعظم من تلك، فهي فيما تتناوله من التغير واتساع النطاق اذ هما في هذه أعظم مما في تلك. " والتاريخ هو تجارب عامة - أي تجارب الغير الكثيرين في ظروف متنوعة، لا مجارب فرد واحد.
وهنا نجد مبررا معقولا للتاريخ الحربي من حيث قيمته التي لا تعادها قيمة أخرى في تدريب الهندي وتوسيع مداركه. على أن الاستفادة تتوقف، كما في كل انواع التجارب، على درجة اتساعها، وقربها من التعريف المار بيانه، وعلى طريقة الدراسة.
ثم أن رجال الهندية يسلمون بالاجماع بما في القول المأثور عن نابليون من الحقيقة وهو أن في الحروب"نسبة القوة المعنوية إلى القوة المادية كنسبة ثلاثة إلى واحد. فالنسبة الحسابية قد تكون عديمة القيمة لان القوة المعنوية عرضة للتدهور اذا كانت الأسلحة ليست على ما يرام. كما أن قوة الارادة مهما سمحت لا تجدي نفعا وهي في جثة هامدة. غيرأنه ولو أن العاملين الأدبي والمادي متلازمنان لا ينفصلان فان هذا القول المأثور تبقى له قيمته الأبدية لأنه يعبر عن نكرة تفوق العوامل الأدبية في كل القرارات الحربية. لأن العوامل الأدبية هي المحور الذي تدور عليه نتيجة الحرب بأجمعها ونتيجة المعركة. والعوامل الأدبية في التاريخ هي العوامل الثابتة دون غيرها، ولا نتغير الا في درجتها. في حين أن العوامل المادية تختلف اختلافا أساسيا في كل حب وفي كل موقف بوجه التقريب."
وادارك ذلك يؤثر على المسألة باجمعها الخاصة بدراسة التاريخ الحربي للانتفاع به عمليا. وقد كانت طريقة الدراسة في بضع الأجيال الماضية تطوى على اختبار حملة حربية أوحلتين ودراستهما دراسة متعمقة كوسيلة لترقية مدارا والتوسع في نظرية الحرب، على أن التغيير المستمر الذي طرأ على وسائل الحروب من حرب الى اخرى فيه خطر جسيم بل محفل يفضي إلى تضيق دائرة آمالنا و يحمل ما تلقاه من الدروس قائما على قياس باطل. فالعامل الوحيد الثابت في دائرة الباديات هو أن الوسائل والظروف لاثبات له بل تتغير دائما.
وعلى العكس من ذلك فان الطبيعة البشرية لا تتغير الا شيئا يسيرا من واقع الأخطار عليها. قد يكون بعض الناس أقل احساسا من غيره بطبيعة أجناسهم، أو بفعل المحيط الذي يعيشون فيه، أو بما يتلقونه من التعليم والتدريب. على أن الفرق بينهم ان هو الا في الدرجة