الباب الأول
التاريخ بصفته تجارب عملية
و يقول الحميقي من الناس انهم يتعلمون بالتجاريب. أما أنا فأفضل أن أتعلم من تجارب غيري. هذا القول المشهور المعزو الي مبارك وان لم يكن هو مبتكره، له أثر خاص في المسائل الحربية. فلقد قيل واعيد القول ان الجندي، بخلاف ارباب المهن الأخرى، ليس لديه من الفرص التي تمكنه من ممارسة مهنته الا ما ندر. بل وقد يزاد على ذلك قولهم ان مهنة الجندي، اذا روعي المعنى المفهوم من كلمة مهنة، ليست مهنة مطلقا بل هي مجرد"استخدام عرضي". ومن الألغاز أنها بطلت أن تكون مهنة في الوقت الذي حل فيه"الجندي المحترف"محل الجندي المغامر -- حينما استعيض عن الجنود الذين كانوا يستخدمون أجر مدة الحرب، بجيوش مستديمة تتقاضى رواتبها حتى في غير أيام الحرب.
وهذا الجدل المنطقي وان كان فيه شيء من التطرف، يعيد. إلى الذاكرة العذر الذي كانوا يحتجون به مرارا في الأيام السالفة في اعطاء الضباط مرتبات لا تفي بحاجاتهم. اکان يحتج به بعض الضباط في تأدية عملهم اليومي ناقصا عن المعتاد - بحجة أن مرتب الضابط ليس أحرا لعمل انما هو أجر"ارتباط '' حتى ينتفع بخدمته في حالة الحرب."
واذا كان الزعم بأن"مهنة الجندية"لا وجود لها بالمعنى الصحيح - لا يجد ما يؤيده في أيامنا هذه من وجهة الأعمال الا أنه من وجهة الممارسة يجد تأييدا قويا لا مفر منه، في ندورة الحروب. وعلى ذلك فهل نستنتج منه أن الجيوش صائرة تدريجيا الى ان تصبح جيوش هواة» بالمعنى الدارج البغيض لهذه الكلمة التي أسيء استعمالها؟ لأن المشاهد آن تدريب زمن السلم حتى أحسنه لا يخرج عن كونه"نظريا أكثر منه ممارسة"عملية"."
على أن القول الحكم الذي قاله"بسمارك"يلق على هذه المسالة ضوءا مغايرا لذلك فيه تشجيع. اذ يساعدنا على ادراك أن هناك صورتين للمارسة العملية احداهما مباشرة والأخرى غير مباشرة. وأن الممارسة العملية غير المباشرة قد تكون أعظم قيمة من الأخرى لاتساع نطاقها اتساعا لا حد له. لأن في الحياة العملية حتى اكثرها نشاطا، وعلى الخصوص حياة