الباب الرابع
حروب القرون الوسطى
هذا الباب هو عبارة عن مجرد حلقة اتصال بين دورات التاريخ العتيق والتاريخ الحديث لأنه بالرغم مما في عدة من حملات الأعصر الوسطى الحربية من الاغراء والترغيب فان المصادر التي نستمد منها معلوماتنا عنها أضعف بكثير من مصادر العصور التي تقدمتها والتي أعقبتها وأقل منها ثقة. والطريق الأمين لاستنتاج العلل ونتائجها في الحقائق العلمية هو أن نؤسس تحليلنا التاريخ على حقائق ثابتة وتجاوز عن بعض أزمنة حتى ولو نضحي في هذا التجاوز بادلة مؤيدة ذات قيمة، متى قضت الضرورة بالاختيار بين أوجه النقد المتضاربة فيما يختص المصادر التاريخية أو المنصوص عنها في الكتب. نعم أن الجدل قد احتدمت سورته في تفصيلات التاريخ الحربي القرون الوسطى من الوجهة التكتيكية لا من الوجهة الاستراتيجية، ولكن تضارب الآراء في هذا الموضوع وما أحدثه من الغموض قد يخفى كلا الوجهتين عن نظر الطالب الحربي العادي ويجعله في شك من الاستنتاجات المستخرجة عن ذلك العصر. غير أننا نشير اشارة طفيفة إلى بعض الحوادث التي وقعت فيه كوسيلة لعرض ما قد تنطوي عليه من الفائدة ومما يستدعي الاهتمام. دون أن ندخلها في تحليلاتنا الدقيقية.
ففي الغرب في إبان الأعصر الوسطى كانت الروح العسكرية في عهد الاقطاعات الفروسية معادية للفن. على أن غباءها المطلق من الوجهة الحربية كان يتخلله شيء من الضوء الباهر. ربما كان لا يقل عن نسبة ما تخلل أن عصر من عصور التاريخ.
فالنورمانيون سكان نورمانديا بدأوا بارسال اول اشعاع من بصيص النور ثم أخذ نسلهم يضيء سبيل حروب الأعصر الوسطى وسيرها بدلا من سفك دمائهم. وعلى كل حال فان ما أعطوه لهذه الحروب من القيمة أدى بهم إلى بذل عصارة أذهانهم بدلا من بذل دمائهم وقد عاد عليهم ذلك بفائدة تذكر.
التاريخ الذي يعرفه كل ولد من أولاد المدارس، أن لم يعرف غيره، ألا وهو سنة 1012 قد سطع فيه نورضربين من الاستراتيجية والتكتيك، فيهما من المهارة بقدر ما كانت نتجتهما حاسمة لا بالنسبة لغرضها الخاص فقط، بل كانت ذات أثر على كل مجرى التاريخ. فان غزو وليم لبلاد الانجليز قد استفاد من تحويل استراتيجي (أي ار باك العدو وايقاعه في حيرة) . و هذا التحويل اكتسب فضيلة الاقتراب غير المباشر من بادئ الأمر. هذا التحويل كان عبارة عن نزول"توسنج» الذي كان ثائرا على أخيه الملك"هارولد '' إلى البر على شاطئ