الصفحة 314 من 408

الإنسحاب الطويل من شهر الالب إلى ضواحي باريس شيئا. وهو على أبواب عاصمته لم يستطع التسليم بأن موارده محدودة، وأن سلسلة من الانتصارات لا تفيده في شيء، وأن مقترحات الحلفاء تمثل حقيقة ميزان القوى. وكان في عناده بنطلق من قناعتين متناقضتين فمن جهة بنصور بأن هزيمته مهما كانت قاسية فإنه يظل قادرة على إجراء الصلح على أساس الحدود القديمة، كما لو أن أي تغيير في هيكليات فرنسا الداخلية هو أمر مستحيل، ومن جهة ثانية كان يعتقد بأن ملکه لا بستفيم بعد خسارته كل فتوحاته. أوروبا ترى في القوة وكأنها الحقيقة الوحيدة. ونابليون كان ينظر إلى شرعية هذه القوة وكأنها وهم، هذه في النهاية هي الهوة العظيمة بين أوروبا ونابليون.

وبدأ الفصل الثاني من مهزلة شاتيون، حسب تعبير ستاديون، هذه المرة عكست الآلهة الأدوار وكأنها تريد أن تبين صفة الاحتمال في كل عمل بشري. وجاء دور الحلفاء في البحث عن الصلح، في حين تلقي کولنكورت أمرا بالتشدد حول الحدود الطبيعية، فأخذ يماطل. وعندما عرض عليه الحلفاء مشروع معاهدة يتناول أوليات الصلح كان جوابه محاضرة تجريدية حول طبيعة التوازن، وحول عدم المنطق في إعادة فرنسا إلى حدودها التي كانت لها قبل الثورة في حين أن كل الدول قد حسنت مواقعها النسبية. وعبثا حاول الحلفاء التلويح بالتخلي عن بعض الشروط العسكرية في مشروع المعاهدة، المتعلقة بتسليم القلاع الفرنسية، فإن كولنكورت لم يکن پربد إلاكسب الوقت. في هذه الأثناء أرسل نابليون رسالة عنيفة إلى امبراطور النمسا يشجب فيها روح الإنتقام التي تحرك القيصر، ويصر على اصلح قائم على أساس الحدود الطبيعية. >

وكلما مرت الأيام، وعى الحلفاء وعيا حقيقية لقواهم. والنصر العسكري يتضمن دائما وجهين: واقعه الملموس وأثره السيكولوجي، ويتعين على الدبلوماسيين أن يترجموا الوجه الثاني بعبارات سياسية والحلفاء وقد سيطرت عليهم تمامأ ذکريات بنا واورستيت، أصبحوا مبالين إلى الخلط بين الإنتكاسات التكتيكية والجمود الستراتيجي الكامل، وهذا الوهم كان يشاركهم فيه نابليون أيضا. ولكن في حين كان باستطاعة الأولين التغلب على نتائج هذا الوهم. فقد بدا قتالا بالنسبة إلى الأخير. وإذا كانت انتصارات نابليون تشهد ببراعته بالمناورة فإنها لم تغير شيئا في واقع الحال. وفي إطار حرب استنزاف، حتى هذه الإنتصارات تضر نسبيا في موقف الدولة الأضعف. وسرعان ما سوف يتبين أن نابليون وإن لم يعد رجل السنوات 1800 - 1809، في ذاك لأنه فقد عبقرينه بل لانه لم يعد لديه الوسائل التي تمكنه من تغيير الوضع. وكان انتصاره الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت