إن ذاكرة الدول هي محك الحقيقة لسياستها. وكلما كانت التجربة بدائية أولية، كلما كان عميقا أثرها على تأويل الحاضر في ضوء ماضي هذه الأمة. وقد يحدث أحيانا أيضا أن تكون التجربة عميقة الأثر إلى حد يجعل الأمة سجينة ماضيها. إنما ذلك لم يكن حال إنكلترا سنة 1812. فهي وإن صدمت بقسوة إلا أنها استمرت. وعلى الرغم من أن بنياتها الأدبية ظلت سليمة، فإنها خرجت من عزلة دامت عشر سنوات وهي مصممة على عدم السير منفردة خلال تجربة كهذه.
وهل من خيار حول الرجل الذي يترجم هذا التصميم إلى وقائع؟ إن هذا الخيار قد وقع بما يشبه اليقين على لورد کاستلري الذي عين في الشؤون الخارجية، في الوقت الذي كان فيه الجيش الكبير يتجمع على ضفاف النيمن. ولد کاستلري، في إيرلندا، من عائلة عريقة، وإن لم تكن رفيعة الشأن، وتلقى التربية التقليدية التي كانت تعطى للأرستقراطية الأرضية البريطانية، في زمن كانت فيه العلاقات مع القارة محدودة، والسياسة الخارجية مقصورة على التحالفات المجتمعة على عجل ضد المد الثوري، ومهما كان مسلکه منضبطة فهو خال من كل ما يلفت النظر. ودخل الحياة العامة بالمساهمة في قمع العصيان الإيرلندي، وفي إلغاء البرلمان الإيرلندي. مبادرتان جلبنا له سمعة سيئة في نظر الليبراليين.
وفي أيام بيت. شغل منصب وزير الحرب .. وهذه المرحلة من حياته العامة كانت مخصصة لطبع سياسته المستقبلية بطابع عميق. فقد طغى عليه وخطف بريقه طيلة هذه المدة وجود کانن Canning. الأكثر لمعانا منه. وفي سنة 1809، وعلى أثر نزال مشؤوم بينهما إضطر کاستلري وكانن إلى الإعتزال من منصبيها العامين. وظهر