وجدت النمسا نفسها بعد إخفاق نابليون في غزو روسيا ملزمة ببناء معادلات دولية جديدة كان عليها أن تجد حلولا لمسائل شائكة، تزيدها الإعتبارات الجغرافية والتاريخية تعقيدة. فإذا أخذنا الناحية الجغرافية مثلا نجد أن النمسا، تقع في وسط أوروبا تحيط بها قوي لا تعرف هذه متى تظهر عداءها لها، وفي آية مناسبة، علما بأن هذا الموقع لا تعززه حدود طبيعية، جغرافية، يضاف إلى ذلك أن سكانها هم خليط من قوميات مختلفة كالحرمان والسلاف والماجيار والإيطاليين، لا تجمعهم وحدة اللغة ولا العرق ...
فالنمسا بحكم أوضاعها المعقدة هذه كانت مرصد الإهتزازات والتغييرات للمنطقة بأسرها: إذ أن كل انقلاب جذري كان بالنسبة لها مؤذية؛ فكيف بالحرب التي من شأنها أن تحمس قوى الرفض في دولة يشكل التاج الرباط الوحيد لأشتاتها؛ من هنا كان الإستقرار ضرورة حيوية بالنسبة لها، وهيبة القانون في التعبير عن سلامة الأوضاع القائمة،،، ينتج عن ذلك أن النمسا كان لزاما عليها أن تبرز أهمية الإعتدال وحيوية توازن القوى، والحاجة إلى إطار الشرعية وقدسية المعاهدات ... فالنمسا کا قال عنها تاليران «هي مجلس الأعيان بالنسبة لأوروبا، على اعتبار أن مجلس الاعيان بشكل القوى المحافظة بالنسبة لأي بلد ... أضف إلى ذلك أنها بالنسبة لارتباطاتها الجغرافية وتركيبها الداخلي كانت ترمز إلى القضية الأوروبية بكل تعقيداتها، فحتى نهاية القرن الثامن عشر؛ كانت النمسا تعد من الأقطار الأوروبية الأكثر حياة وحركة. إذ أن استان المواطن البروسي استطاع لفترة طويلة وحتى بعيد السنة 1790، أن يصدر حكمه لصالح النمسا نظرا لتماسكها ولازدهار ملكيتها، عند مقارنتها ببروسيا.