الصفحة 52 من 408

أما الآن، وفي الوقت الذي أخذت فيه الجيوش الروسية تتدفق نحو الغرب، فقد بدأت تباشير العاصفة تهب على الأمبراطورية النمساوية، سجن القوميات، هذه النظرة الجديدة إلى هذه الأمبراطورية لم يكن مردها إلى أن نظام الحكم فيها أصبح أكثر استبدادا: بل لأن مبرره الشرعي أصبح موضوع درس ومناقشة ... آن عالم الكبت والسجن ليس شيئا ظاهريا فحسب، بل هو أيضا داخلي نفساني. وسليل آل رهابسبورغ، لم يكن اجنبية لمجرد أنه ينتمي إلى سلالة ملكية المانية، لأن هذه القضية لم تكن تخطر ببال أحد في القرن الثامن عشر، أما في القرن التاسع عشر، فإن هذا الشعور قد أخذ شكل البديهية من جهة، وجاءت السياسة الدفاعية من جهة ثانية نصب قدرة النسيا على التكيف، بحيث اضطرت إلى التصلب أكثر فأكثر، في مواقفها. أن الامبراطورية النمساوية بدت راسخة كعهدها، ولكن التاريخ بدأ يتجاوزها هذه المرة.

كانت عودة الناجين من جيش نابليون الضخم، بثيابهم الرثة، يحررون أقدامهم في معابر أوروبا الوسطى من شتاء سنة 1812، طالع شؤم وفأل خير على النمسا، بأن واحد. الفأل لأن النمسا سوف تستطيع، بنتيجة تفكك القوة العسكرية الفرنسية، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، أن تتبع سياسة مستقلة حقا، وغير مفيدة بفكرة، إن مصير البلد أصبح موضوعا بين يدي رجل واحد. أما طالع السوء، فناتج عن عدم وضوح وجلاء ما سوف ينتج عن الفوضى التي خلقها تفكك هذه القوة الفرنسية فالقومية، وتنظيم البنيات الإدارية، وهذه المعتقدات السائدة في ذلك الحين لا يمكن أن يكون لها إلا أثر سيء على هذا الجهاز العقد الرهيف الذي كانت تشكله النمسا في ذلك الحين والذي يجعل منها البقية الأخيرة من بقايا عصر الإقطاع. >

وعندما يكون مصير أمبراطورية ما، مطروحة على بساط البحث، فإن قناعات حكامها هي التي تؤمن طريق الخلاص. ولكي تكون النتيجة حسنة يجب أن تنسجم هذه القناعات مع مصلحة الدولة بالطبع. وقد شاء الحظ للنمسا أن تكون، خلال هذه السنوات تحت قيادة رجل منصهر تماما في طبيعتها الذاتية. ولم يكن هذا الأمر بالحدث السعيد، بل إنه قضاء محتوم بالمعنى الوارد في التراجيديا اليونانية. وبالواقع، إن النجاح الذي توج جهود كليمانس فون ميتونيخ بحمل في ذاته بذرة انهيار الدولة التي صارع طويلا من أجلها.

وميترنيخ هو على غرار هذه الدولة حصيلة حقبة قد تجاوزها الزمان. فقد ولد في هذا القرن الثامن عشر الذي قال عنه تاليران بأن الذين يأتون الى العالم بعد الثورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت