الصفحة 316 من 408

على الصعيد السيكولوجي، حين أجبر عدوه الأقوى أن يطلب منه الصلح. وها هو الآن صانع دماره بنفسه لأن الصلح الذي ليس من صنعه يعتبر غير مقبول لديه. وعندما طلب إليه الحلفاء في 20 شباط إعطاء الجواب النهائي، بتاريخ محدد، اعتقد کولنكورت في سره أن الجواب الذي وعد بإعطائه في 10 آذار لن يتحقق أبدأ.

في هذه الأثناء حصل صدام جديد بين نابليون ومترنيخ، وهو الأخير من نوعه في سلسلة طويلة من الخلافات، التي كانت تدور حول نفسية الامبراطور. فكل لقاء بين الرجلين كان يجر وراءه نفس الظل من القدرية الفوستية، لقد استطاع مترنيخ أن يجر خصمه إلى هاوية براغ خطوة خطوة باستغلاله كبرياء نابليون: أي موقف الرجل الذي ينظر إلى نفسه من خلال صورته لا من خلال واقعه. هذا الكبر ذاته هو الذي يحول الأن بينه وبين إنقاذ نابليون. لقد أدى إنهاء الأعمال العسكرية إلى معلومات مزدوجة: في نفس الحين الذي تحقق فيه نابليون فعلا من حدود سلطته، تأكد لدى النمساوي أن الرجال صناديق مقفلة غير مضمونة ما لم تجرب.

لم يفكر مترنيخ مطلق بأبعد من الحد من القوة النابليونية، عالمة عليا أكيد بأن الإطاحة بأية سلالة ملكية سوف تكون خطيرة جدا على النمسا، وما أن فرنسا القوية ضرورة لهذه الدولة، لذا فهو يحاول أن يعاكس القدر الذي ساهم هو في صنعه. وطلب من نابليون أمرا مستحي": القبول بالحدود. وكما هو الحال في التراجيديا اليونانية الإغريقية، لا تستطيع كلمات الصداقة أن توقف القدر لأن الخلاص ليس مسألة معرفة بل مسألة خضوع، وتجاهل نابليون رجاءات مترنيخ الملحة، ليس لأنه لم يفهم الحجج الباعثة عليها، بل لأنه مكتوب عليه أن يحتقر هذه الترجيات. >"

وعبثا حاول امبراطور النمسا رفض تشهير نابليون بما يقوم به القيصر من أعمال انتقامية والتأكيد على استعداد الحلفاء لعقد صلح على أساس الحدود القديمة حالا، وكذلك ذهبت عبثأ مدافعات کولنكورت و مترنيخ: «ألا يوجد أي سبيل لتنوير نابليون حول وضعه الفعلي؟ (کتب مترنيخ إلى كولنكورت في أوج يأسه) وهل قرر أن يضع مصيره ومصير إبنه على رأس آخر بندقية يملكها؟ وهل يتصور أن تهوره وشجاعته تمنعانه من الهزيمة على يد قوة أقوى.؟ ... وإذا كان امبراطور النمسا قد سلم له التيرول سنة 1809 فلماذا لا يسلم هو بلجيكا سنة 1814؟ حتى هذه الضراعة بدت غير مجدية، رغم ملاءمتها الكاملة للبحث الدائب عن شرعية يرضى بها نابليون. وعبثا حاول مترنيخ أن يضع في نفس المستوى آل هابسبورغ والنابليونيين الجدد، فقد كان العنصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت