وهذا الأمر حتمي لأن القوة الأقوى، يمكنها وحدها تفشيل سياسة دولة خارجية، وإن أية سياسة أجنبية يجب أن ترسم بناء على ما لدى الفريق الأخر من وسائل وليس فقط بناء على ما يعلنه من نوايا. ولكن، وبما أن الضمان المطلق لدولة ما يترجم بعدم الضمان المطلق لكل الدول الأخرى، فإنه يستحيل الوصول إلى هذا الضمان المطلق أثناء تسوية حبية شرعية. إن الضمان المطلق وسيلته الوحيدة هو الإستيلاء، ولهذا السبب تبدو التسوية الدولية المقبولة، وغير المفروضة، جائرة قليلا بالنسبة إلى كل من المشتركين فيها. والغرابة في هذا الوضع هو أن عدم الرضى العام هو شرط للإستقرار، فإذا تيسر لمطلق دولة من الدول، أن تكون راضية تماما، فإن جميع الدول الأخرى ستكون مستاءة تماما، الأمر الذي يولد وضعة ثورية. وترتكز حالة الإستقرار، بأن واحد، على الضمان وعلى عدم الضمان النسبيين لدى كل من المشاركين، وهذا الإستقرار يعبر لا عن انعدام المطالب غير المحققة، بل عن عدم وجود إجحاف يبلغ من الشدة حدا يحمل على مداواته برفض الإتفاق بدلا من السعي وراء تسوية، مع احترام الإطار القائم. فالإتفاق الذي تقبل أحكامه جميع الدول الكبرى هو اتفاق «شرعي» ، وهو «ثوري» إذا اعتبرت إحدى الدول المتعاقدة أن هذه الأحكام جائرة، وعلى الصعيد الوطني، يركز الإتفاق ضمانه على ثقل السلطة ووزنها. أما على الصعيد الدولي، فعلى ترابط القوى، وعلى أكمل تعبير عن هذا الترابط وهو التوازن.
وإذا كان يفترض في أي اتفاق دولي أن يعبر عن الحاجة إلى الضمان وإلى التوازن، فإنه يجب أن ينطلق بإسم مبدأ تعطيه الشرعية، والتسوية التي تهدف إلى استبدال روابط القوة، بعلاقات تعاقدية حرة ورضائية يفترض فيها أن تعبر عن مقتضيات الضمان المطالب بها، وأن تعمل بحيث تتلاقى المطالب الفردية مع المصلحة العامة
وعندما يحدد والمبرر الشرعي صحة المطالب المتصارعة، وينظم الشكل الذي يتم التصويب على أساسه، وهذا لا يعني أن الشرعية المطلوبة تجد غرضها ومطلبها في شروط التسوية. إن أية دولة كبرى، لن تكون مستعدة للتخلي عما تعتبره ضمانها الأول. وهو القدرة على رسم سياسة خارجية مستقلة في مقابل المصلحة الشرعية وحدها. إلا أن المبرر الشرعي، يستطيع أن يحدد الحالات الهامشية. في سنة 1919، لم تكن وطأة الحرب، بمقدار ما كانت وطأة السلم، هي التي يمكن أن تتسبب بتفكك الامبراطورية النمساوية - الهنغارية، لأن استمرار هذه الدولة يتناقض مع الإستقلال