وكانت التزاماتهم المالية والعسكرية تجاه الباب العالي قد تحديت ونظمت بشكل جيد وتطورت إلى نظام مرتب من السيادة والتبعية. كما أن علاقاتهم الوثيقة والحميمة مع بلادهم وشعوبهم يبدو أنها كانت ذات أثر حميد على الطرفين. >
في روميللي، التي ما زالت المركز الرئيسي وحصن الإمبراطورية وموطن النخب الحاكمة فيه، كانت الحكومة المركزية قادرة على الحفاظ على بعض معايير السيطرة المباشرة، وتدابيرها، ولكن هناك أيضا كان والأعيان»، أي الأرستقراطية الجديدة، تستولي باطراد على وظائف الحكومة ومهامها، ومع نهاية القرن الثامن عشر، كان أعيان الروميللي، بجيوشهم الخاصة، وخزاناتهم، وساحات المحاكم التي يسيطرون عليها، قد باتت تنافس سادة الوادى الأناضوليين في استقلالهم.
بعد كل هزيمة من الهزائم العسكرية الكبرى التي شهدها القرن الثامن عشر، كان رجال الدولة والمؤرخون العثمانيون يناقشون في صراحة قاسية حالة الإمبراطورية المتربية والأداء الهزيل لجيوشها. وقد أنت معاهدة كوچك قنارجه، وما تمخض عنها من ضم القرم، بشكل خاص، إلى بروز الكثير من المناقشات والمجادلات الصادقة. ثم حدث في سنة 1787 م أن اندلعت حرب جديدة بين تركيا وروسيا، التي انضمت إليها النمسا في السنة التالية. وفي هذه المرة، كان الروس منشغلين بالأحداث في كل من بولندا، وبروسيا وفرنسا، فلم يضغطوا هم والنمساويون في حملتهم بقدر من القوة مثلما كان يحدث من قبل، وفي سنة 1791 - 1792 م كانت تركيا قادرة على عقد الصلح مع النمسا في سيستوفاء ومع روسيا في جاسي، بشروط لينة نسبيا
وفي أثناء الحرب، كان هناك سلطان جديد هو السلطان سليم الثالث، قد خلع عليه سيف عثمان. كان في الثامنة والثلاثين من عمره عندما اعتلى العرش، كما كان رجلا ذا مقدرة عظيمة ومعرفة واسعة وخبرة عريضة تفوق أي أمير عثماني آخر في السراي منذ زمن طويل، وكان قد دخل بالفعل في شبابه، من خلال مبعوثه الشخصي إسحاق بك، في مراسلات مباشرة مع ملك فرنسا، وأبدى اهتماما متزايدا بالشئون الأوربية. وكان يدرك تماما أن مهلة سنة 1792 م كانت بسبب صعوبات موجودة في كل مكان آخر في أوربا، وأن الوقت المتاح سيكون قصيرا قبل أن تعاود النمسا وروسيا الهجوم