الصفحة 180 من 578

جاء المرسوم الهمايوني الذي أصدره السلطان بإلغاء النظام الجديد متأخرا جدا حرصا على عرشه، وفي 29 مايو 1807، وبعد اجتماع عاصف في ميدان سباق الخيل، ذهب وفد من ضباط الانكشارية إلى شيخ الإسلام وساله قائلا «إذا قام أحد السلاطين باي فعل أو سن قانونا ضد القيم الدينية التي يقدسها القرآن الكريم، هل يمكن أن يواصل حكمه؟ فأصدر شيخ الإسلام، بعد أن أظهر دهشته وتردده، فتواه بخلع السلطان، لما فيه من مصلحة للدين الإسلامي والدولة العثمانية. ووفقا لذلك تمت الإطاحة بسليم، وأعلن ابن عمه مصطفي سلطانا. وخلت قوات النظام الجديد في الحال، وأصبح قائد المتمردين قائدا القلعة البوسفور. وفي العاصمة، صار القائمقام وشيخ الإسلام الحاكمين الفعليين (61) .

وبعد مرور حوالي عام أو تقريبا بعد هذه الأحداث، سرد أحمد عاصم أفندي، وهو كاتب الوقائع للإمبراطورية الأحداث التاريخية التي وقعت في السنوات 1791 - 1808. ومن روايته يمكننا رسم انطباع واضح عن نفوذ التأثيرات العامة الفرنسية في تركيا خلال هذه السنوات. كان عاصم يوافق على الإصلاحات، والتي أعرب عن أمله في استعادة القوة العسكرية التابعة للإمبراطورية، ويصف في فقرة مثيرة للاهتمام كيف خرجت روسيا من الضعف والهمجية إلى قوة عظمى عن طريق استعارة العلوم والتقنيات الغربية (62) . ولكنه كان معارضا للمسيحية، ويعتبر كل القوى المسيحية أعداء متاصلين للإسلام، ولا يستشرف خيرا من الاتفاقات معهم، سوى النتائج السيئة، ولا سيما أنه يمقت الفرنسيين، ويسب المتحزبين لفرنسا في تركيا بأنهم حمقى يلهثون وراء الأوهام (63) . وإشاراته حول الشئون الداخلية لفرنسا قليلة وعدائية. فالجمهورية كانت مثل دوي فرقعات في معدة مصابة بالغثيان وغير قابلة للهضم (64) ، فمبادئها تتالف من التخلي عن الدين والمساواة بين «الأغنياء والفقراء (65)

ويسهب في القول حول الأنشطة الفرنسية في تركيا. وفي مناقشة طويلة حول نجاح وفشل إصلاحات سليم الثالث واسباب وظروف سقوطه، خصص عاصم أفندي قدرا كبيرا من الاهتمام في ذكر النفوذ الفرنسي. لقد قدم الفرنسيون أنفسهم على أنهم أصدقاء بل وفي صورة قبولهم لاعتناقهم الإسلام، وتدعيمهم للأتراك في عدائهم للمسيحية وعزمهم على متابعة تعاليم محمد، وبواسطة الدعاية المكثفة قاموا بتشويش العقول ليس فقط عظماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت