وفي نهاية القرن الثامن عشر، اكتسبت الكلمة معنى جديدا في اللغة التركية. وساعدت التقارير الواردة من فرنسا، وترجمة البيانات الفرنسية العامة، على أن تجعل المفهوم الجديد مالوفا (2) . ولم يكن الاستقبال الأول في صالح المفهوم، ففي عام 1798 ذكر رئيس أفندي عاطف في تقرير له عن وقائع الفرنسيين في المناطق التي احتلوها على ساحل البحر الإيرباتيکي ما لاحظه عنهم إن قيامهم باستدعاء شكل من أشكال الحكم في حكومة اليونان القديمة، وإقامة نظام من الحرية في هذه الأماكن يكشف بما لا يدع أي شك للتعليق أو التفسير عن نوايا الشر بعقولهم (3) .
القومية والحرية - شخصهما عاطف بحق على أنهما القوتان اللتان ستلعبان دورا كبيرا في القرن التاسع عشر لتدمير الإمبراطورية. ثم حاول السلطان في العام نفسه دحض هذه الأفكار الجديدة الخطرة، واصفا الحرية الفرنسية بانها لا تعدو أن تكون مجرد طيش وفوضي:
وبهذه الاعتقادات العقيمة والآراء غير المعقولة أقاموا المبادي الجديدة وسنوا القوانين الجديدة، وأسسوا ما وسوس إليهم الشيطان، ودمروا اسس الأديان، واستنوا قوانين تبيح لهم الأشياء المحرمة، وأطلقوا العنان لأنفسهم ولعواطفهم كيفما اشتهت وانجذب عامة الناس إلى ظلمهم، كالمجانين الهائجين، وقد بثت الفتنة بين الأديان، واندس الفساد بين الملوك والدول ... (4) .
لكن على الرغم من هذه الجهود، وغيرها لتدميرها، فإن شجرة الحرية ضربت بجذورها في أرض تركيا، ولم يمر وقت طويل حتى حدث تطور آخر ضاعف من اهتمام الأتراك نوى الفكر العميق بالحرية، والمساواة وسيادة القانون. وخلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، أدركت أعداد متزايدة من الأتراك، لاسيما بين أولئك الذين أتيحت لهم فرصة السفر إلى الغرب، هدى معاناة بلدهم بشكل غير مقبول من التخلف والفقر، وبصورة تتناقض مع أوربا التي كانت غنية وقوية بشكل لا يصدق، وبدت واثقة من نفسها وقوية بلا حدود وبشكل لا يصدق، إلى حد أن العالم كله صار في قبضتها. لقد أعيدت في تلك الحين صياغة السؤال القديم القائل: لماذا تتدهور الإمبراطورية؟ بالصورة