ثمة جانب آخر من جوانب التأثير المحلي ربما يمكن أخذه في الاعتبار هنا، فإن روميلي والقسطنطينية جزء من أوربا، وقد كان العثمانيون في مرحلة باكرة من تاريخهم على اتصال باوربا - أطول وأكثر قربا من أي دولة إسلامية أخرى، بما في ذلك شمال أفريقيا. فقد ضمت الإمبراطورية أراضي أوربية مهمة، وفيها ضمت شعوبا و مؤسسات أوربية. كما حافظت على الاتصال بالغرب من خلال التجارة، والدبلوماسية، والحرب، والهجرة أيضاء
كان محمد الفاتح يعرف اللغة اليونانية، وكانت لديه مكتبة من الكتب اليونانية. وكان من ضمن حاشيته عالم الدراسات الإنسانية الإيطالي کرياکو بنزوكوللي Ctriaco Plzocoll من أنكونا، وكاتب سيرته کريتوبولس Critoboulos والرسام فينيتيان باليني Venollan Ballini (7) . ومع أن هذا كان أمرا غير عادي، فإنه لم يكن ظاهرة منعزلة. لم تكن المعرفة بالغرب معرفة ضئيلة فقد جاء بها عدد كبير من الأوربيين الذين اعتنقوا الإسلام واللاجئين الباحثين عن العمل وأرادوا الالتحاق بوظائف في الخدمة العثمانية، فضلا عن الدبلوماسيين والتجار الأوربيين. وفي القرن الخامس عشر سارع السلاطين العثمانيون إلى تبني سلاح المدفعية الأوربية- غالبا مع رجال المدفعية وبناة المدافع الأوربيين. وبحلول القرن السادس عشر والقرن السابع عشر كان الجنود والبحارة العثمانيون يحاولون بدرجات متفاوتة من النجاح، أن يتبنوا الأساليب الأوربية في الشئون الحربية على حين كان الباحثون العثمانيون يقومون باولي استفساراتهم الاستطلاعية في الجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبية الأوربية (8) . وقبل القرن التاسع عشر كانت الاقتباسات العثمانية من أوربا أساسا ذا طبيعة مائية، كما كانت محدودة من حيث مداها ومن حيث تأثيرها على السواء ولكن اليوم قد يكون من البديهي صعوبة تضييق حدود اقتباس حضارة ما من ممارسات حضارة أخرى، ولكن كل عنصر وارد من الخارج بجرفي انياله قطارا من النتائج المتتالية. وربما ينبغي علينا أن نعيد النظر في أهمية مثل هذه الاقتباسات العثمانية الباكرة من أوربا وتأثيراتها، مثل الخرائط، والملاحة وبناء السفن، والهندسة، والطراز الإيطالي في العمارة التركية، كما يتمثل في جامع «نور عثمانية» في إستنبول (9)