مدى سنوات عديدة، ويبدو في البداية أنه لم يكن يرى أي سبب يدعو للاندفاع، وقد كان هذه المرة مخطئا، فقد كان الضباط الشباب الأتراك ينظرون آنذاك بقلق بالغ إزاء التهديد المتزايد الذي يحيق بالإمبراطورية من الداخل والخارج، وكانوا على استعداد لقلب نظام غير قادر حتى في مجال الدفاع، وفي الوقت الذي كان السلطان على استعداد لاتخاذ إجراءاته، كان الأوان قد فات.
وقد أحدث تعيين لجنتين على التوالي للتحقيق والعقاب أن بلغت الأمور منتهاها ويبدو أن أحد الضباط الشبان، وهو ينتسب إلى موظفي حلمى باشا، قد أثار الشكوك، وكان قد دعى لزيارة إستنبول «من أجل شرح الوضع والحصول على الترقية، وإذ ساورت الضابط الشكوك في الدوافع وراء هذه الدعوة، فضل الاختفاء في تلال وسنة. وكان اسمه أنور بن (95)
ولحق بانور في التلال ضابط آخر يدعى اللواء أحمد نيازى في 4 يوليو، وكان يحظى في ذلك الوقت بكثير من الأهمية في مجالس تركيا الفتاة. على أية حال، لم يذهب وحده في السر، بل نهب مع مجموعة كبيرة من الرجال، ومع الأسلحة والذخائر، والأموال التي استولوا عليها من مخازن الشركة. في الوقت نفسه، وجه إعلانا إلى أمانة القصر والمراقبة العامة في الروميللي، وولاية ماناستير، وكذلك رسائل الاتهام إلى قائد الدرك في ماناستير وضابط الدرك في رسنه (96) . وبلخص موقفه هو في مذكرة خطية عشية مغادرته إلى أخيه غير الشقيق إسماعيل حقي بك، وهو قائم مقام قضاء مناستير، يروي قصته لأخيه الذي عهد إليه برعاية أسرته
سوف أرحل، وذلك بعناية الباري، في حوالي ساعة، وبالتالي سوف أوجز حديثي ... لا أرى أي نقطة تحتاج إلى تفسيرات طويلة، والسبب معروف، لقد آثرت الموت بدلا من العيش في خزي، لذا خرجت أنا الآن مع مائتين من الوطنيين المسلحين بالبنادق، للموت من أجل بلدنا، وبالنسبة إلى عائلتي يرجى إرسالها إلى إستنبول، كما شرحت لكم أمس، مع ابن أخ شوقي، غدا إن كان ذلك ممكنا، وإلا فليكن يوم الأحد، وبالنسبة إلى الآخرين فإما الموت أو الخلاص للوطن! (97) .