الصفحة 56 من 578

هكذا، كان إسلام سكان الحدود الأتراك مختلفا عن إسلام سكان المناطق الداخلية في العالم الإسلامي، وعلى خلاف إخوانهم الذين كانوا قد اتجهوا صوب العراق أو مصر باعتبارهم مماليك، وتثقفوا في جو عالمي مؤلف من العواصم الإسلامية القديمة، على حين كان الأتراك الأحرار قد أسلموا وتلقوا تعليمهم من المناطق الحدودية، تشرب إسلامهم بخصائص الطابع الحدودي

كان معلموهم من الدراويش، والزهاد، والصوفية، والذين كانوا عادة من الأتراك. يدعون إلى عقيدة تختلف للغاية عن عقيدة الفقهاء والشيوخ في المدن، ولم يكونوا يميلون إلى اللطف - أو اللين- الذي اتسمت به بغداد في العصر العباسي، والتسامح المرن والتنوع الذي تتسم به أي حضارة مدن مختلطة- أو التشدد الإقصائي الذي تتسم به المدارس الفقهية، فقد كانت عقيدتهم عقيدة قتالية جهادية، ما زالت متأججة بنقاء المسلمين الأوائل و استقامتهم: والذين كانت عقيدتهم صيحة قتال، وكان مذهبهم دعوة إلى السلاح.

كانت هذه هي العقيدة والدعوة - التي جلبها الأتراك الأوائل إلى الأناضول، ثم عندما قام الغزاة والدراويش والبدو بغزو شبه الجزيرة واستعمارها وتحويلها إلى الإسلام، كانت تقاليد الحكم الإسلامي القديمة قد وطدت نفسها فيما صارت المدن الجديدة في السلطة الجديدة، وتحرك رجال الحدود والدراويش سعيا وراء مغامرات جديدة على الحدود الغربية، وعلى سواحل بحر إيجه، وفي أوربا، وصارت الأناضول من ولايات إمبراطورية السلاجقة في الشرق الأوسط، وتم فرض نمط الحياة الإسلامية التقليدي على البلاد بالتدريج، وقد انتقل رجال الإدارة والأدباء المسلمون والقضاة، وعلماء الدين والتجار والحرفيون إلى الأراضى الجديدة، وجلبوا معهم حضارة الإسلام القديمة الحضرية الراقية. كما تحركت الحدود تجاه الغرب أكثر، وبمرور الوقت كانت الأراضي الجديدة التي كسبها رجال الحدود العثمانيون في الأناضول الغربية وفي البلقان قد تحولت إلى إمبراطورية إسلامية. ومثل سيواس وقونية تحت حكم السلاجقة، كذلك كانت آنذاك بورصا أولا، ثم أدرنة، واخيرا إستنبول قد صارت من العواصم الإسلامية، ومراكز الثقافة والحياة الإسلامية التي تحمل كل كسوة الإسلام السني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت