كان اضمحلال الإمبراطوريات العظمي دائما من الموضوعات التي تحظى باهتمام بالغ، وهو موضوع له مذاق جديد في أيامنا هذه؛ سواء بالنسبة لأولئك الذين يبتهجون، أو الذين يبكون، لضياع العظمة الإمبراطورية. وكان الموضوع تدهور الإمبراطورية العثمانية نصيبه من الاهتمام. بيد أنه لم يحظ باي دراسة جادة. (1) إذ إن فترة الخمسمائة عام التي شغلها التاريخ العثماني من أكثر الفترات إهمالا في ميادين الدراسة، وبينما زادت البحوث الحديثة في تركيا وفي الغرب على السواء من معرفتنا ببدايات الإمبراطورية ونهايتها، فإنها لم تلق سوى القليل من الضوء على عمليات اضمحلالها، والمؤرخون الأتراك الحديثون قد كرسوا، بطبيعة الحال، معظم اهتمامهم إلى العظمة الباكرة والإحياء الحديث الشعبهم، على حين أن مثل هؤلاء الباحثين في الغرب الذين ناقشوا الموضوع قد رضواء اساشا، بان يسيروا على خطى المؤرخين العثمانيين أنفسهم. وفي الغالب، ايضا، تاثروا بالأساطير القومية الواردة في التدوين التاريخي للشعوب التي كانت خاضعة فيما سبق للإمبراطورية في أوربا وآسيا بعد أن تحررت. وقد كان هؤلاء يميلون إلى توجيه اللوم في جميع نقائص مجتمعاتهم وجوانب القصور فيها إلى سوء حكم سادتهم الذين سقطت دولتهم، كما أنهم عمموا الإخفاقات المعترف بها في الحكم العثماني في مرحلته الأخيرة بحيث صارت اتهاما للحضارة العثمانية باسرها. .: وقد لاحظ البروفيسور جونز ones ل مؤخرا أن «اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» كان نتيجة مجموعة معقدة من الأسباب المتداخلة والمتفاعلة التي قد يتوه المورخ في محاولة تفكيكها (2) . ويكون الخطر أكبر، في حال الإمبراطورية العثمانية، عندما تكون الأعمال الأولى من البحث التاريخي التفصيلي قد أحرزت قدرا ضئيلا من التقدم. ذلك أن معظم السجلات العثمانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر لم تنشر، ويكاد يكون لم تمسه يد؛ بل إن المورخات لم تجتذب سوى النزر اليسير من الاهتمام. والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي الداخلي في هذه الفترة يكاد ألا يكون قد خضع للدراسة، على حين أن دراسة التاريخ السياسي كانت قد تقدمت تقدما ضئيلا بعد النقطة التي جلبها إليها هامر Hammer وزينتشين Zinkelsen في القرن التاسع عشر.