الصفحة 134 من 244

المعاملات التجارية كانت تصب في فائدة التجار والقراصنة فقط. وإضافة إلى ذلك، كان المنغوليون وغزاة أخرون يهددون حدود الإمبراطورية، الأمر الذي كان يتطلب مزيدا من الانتباه والموارد. وفي ما يبدو، فإن البعثات البحرية كانت تشكل إلهاء مكلفا.

كان قرارة مصيرية بحق. إذ عندما اختارت الصين الابتعاد عن العالم الخارجي، كانت أوروبا تمد أذرعها إلى الخارج. والبعثات البحرية الأوروبية هي التي مدت أوروبا بالطاقة وسمحت لها بنشر قوتها ونفوذها في مختلف أنحاء العالم. ولكن، لو افترضنا أن الصين احتفظت بأسطولها البحري، فهل كان سيختلف مسار التاريخ الحديث؟ ربما لا. فقرار الصين بالتحول إلى الداخل لم يكن ببساطة قرار استراتيجية سيئة، بل كان تعبيرا عن رکود حضارة. وخلف ذلك القرار بإيقاف البعثات الاستكشافية تكمن كل الأسباب المعقدة لبقاء الصين* ومعظم العالم غير الغربي متخلف عن العالم الغربي القرون عديدة.

إذا أردنا أن نعرف ماذا يعني نهوض البقية، يجب علينا أن نعرف كم من الوقت ظلت هذه البقية خاملة. لقد تبين أن الهيمنة الثقافية والمادية للغرب ليست ظاهرة حديثة العهد ولا قصيرة الأمد، إذ إننا نعيش في عالم غربي منذ ما يزيد عن خمسة قرون. وبالرغم مما نشهده الآن من نهوض الأمم وقارات أخرى، فإن ظلال الغرب ستكون كثيرة الامتداد وإرثه سيكون عميقا لعقود قادمة، وربما لفترة أطول من ذلك.

أصبح من الشائع قول إن الصين والهند كانتا لا تقلان ثراء عن الغرب حتى بداية القرن التاسع عشر. واستنادا إلى وجهة النظر هذه، فهذا يعني بأن سيطرة الغرب كانت مجرد انحراف مؤقت عمره 200 عام في مسار التاريخ، وأننا نعود إلى توازننا الطبيعي الآن. كما توحي هذه المقولة بأن الصدفة لعبت دورا كبيرا في تفوق الغرب بسبب الفحم الحجري والمستعمرات (2) وأي اكتشاف مصدر رخيص للطاقة والسيطرة على الأراضي الغنية في آسيا وإفريقيا والقارة الأميركية. بالطبع، لهذه الرؤية - التي تنكر وجود أي خصوصية للغرب - فوائد سياسية، ولكن، مع أنها قد تكون صحيحة من الناحية السياسية، إلا أنها ليست كذلك على المستوى التاريخي.

من أسباب سوء الفهم هذا هو أن المحللين غالبا ما يكون في تحليلاتهم فقط على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت