ثم بدأ المد بالتحول في القرن الخامس عشر؛ وبحلول القرن السادس عشر كانت أوروبا قد شرعت بالتقدم. ابتدأ العلم الحديث مع ثورة الفكر التي سميت بالنهضة على أيدي رجال من أمثال كوبرنيكوس وفيساليوس وغاليليو. حيث شهدت الفترة ما بين 1450 و 1550 أهم انشقاق في التاريخ البشري، بين الإيمان والعادات والعقيدة، من جهة، والملاحظة والتجربة والفكر النقدي، من جهة أخرى. وقد حدث ذلك في أوروبا، ما دفع تلك الحضارة قمة لقرون طويلة في العام 1593، عندما قطعت سفينة إنكليزية مجهزة بسبعة وثمانين مدفعة مسافة 3 , 700 ميل لتصل إلى اسطنبول، وصفها مؤرخ عثماني بأنها"أعجوبة العصر. لم ير أو يسمع بمثلها من قبل". وبحلول القرن السابع عشر، أصبحت تقريبا جميع أنواع التكنولوجيا والمنتجات والمؤسسات المعقدة (مثل الشركات أو الجيوش) أكثر تطورا في أوروبا الغربية منها في أي مكان آخر في
العالم.
إن الاعتقاد بأن المجتمعات الآسيوية كانت - بأي معنى مادي - تعيش في نفس مستوى المجتمعات الغربية في 1700 أو 1800 يشبه الاعتقاد بأن الإنجازات العلمية والتكنولوجية التي حولت العالم الغربي خلال القرون الثلاثة الماضية لم يكن لها أي تأثير في حالته المادية، وهذا أمر سخيف بالطبع *. لم يكن التقدم العلمي يعني فقط ابتكار آلات جديدة، وإنما إعادة صياغة المنظور العقلي للمجتمعات الغربية. لنأخذ، على سبيل المثال، الساعة الميكانيكية التي اخترعت في أوروبا في القرن الثالث عشر. يقول المؤرخ دانييل بورستين، الذي أسماها أم الآلات:"لقد حطمت الساعة الجدران بين أنواع المعرفة والإبداع والمهارة. وكان صانعو الساعات أول من طبق - عن معرفة - نظريات الميكانيك والفيزياء على صنع الآلات (4) لكن آثارها كانت أكثر ثورية على المدى الأوسع. فقد حررت الساعة الإنسان من الاعتماد على الشمس والقمر، وجعلت من الممكن ترتيب النهار وتحديد الليل وتنظيم العمل، والأهم من ذلك كله ربما، قياس كلفة العمل من خلال إحصاء الساعات التي استغرقها مشروع ما. قبل اختراع الساعة، لم يكن للزمن أي قيمة قابلة للحساب."
وعندما جلبها البرتغاليون إلى الصين بحلول القرن السادس عشر، كانت الساعات