الميكانيكية الأوروبية قد أصبحت أكثر تعقيدا بكثير من الساعات المائية المصنوعة في بكين، لكن الصينيين لم يجدوا قيمة ذات أهمية في هذه الآلات التي اعتبروها كألعاب، فلم يكبدوا أنفسهم عناء تعلم كيفية تشغيلها. ولهذا السبب، فقد كانوا بحاجة إلى بقاء بعض الأوروبيين من أجل تشغيل اختراعاتهم. وهذا ما حصل مجددا بعد مئة عام عندما جلب البرتغاليون المدافع إلى بكين، إذ اضطروا إلى تقديم مشغلين لماكيناتهم. وبحلول القرن الثامن عشر، لم تعد بكين تريد رؤية الأدوات الأجنبية المبتكرة أساسا. ففي رسالة إلى الملك جورج الثالث، رفض الإمبراطور كيانلونغ، الذي حكم الصين من 1736 إلى 1795، طلب بريطانيا بإقامة علاقات تجارية مع الصين، مفسرة رفضه بقوله:"إننا لا نولي اهتماما كبيرا بالأدوات الغريبة والمبتكرة، ولسنا بحاجة إلى المزيد من مصنوعات بلدكم". لقد أغلق الصينيون عقولهم بوجه العالم (5) .
من دون تكنولوجيا وتقنيات جديدة، وقعت أسيا فريسة المشكلة المالثوسية الكلاسيكية. تعرف اليوم دراسة توماس مالثوس التي صدرت في العام 1798، أطروحة حول مبدأ عدد السكان، بتشاؤمها الكبير، بيد أن الكثير من ملاحظات مالثوس كانت تعبر عن ذكاء حاد جدا في واقع الأمر. لاحظ مالثوس بأن الإنتاج الغذائي في إنكلترا كان يزداد بنسبة حسابية (1، 2، 3، 4 ... ) في حين أن عدد السكان كان يتزايد بنسبة هندسية (1، 2، 4، 8، 16، ... ) . وما لم يتغير هذا التناقض، فإن البلد كان سيعاني حتما من الجوع والفقر، ولن ترفع مستويات المعيشة إلا الكوارث مثل المجاعة أو الأمراض (لأنها ستقلص عدد السكان) *. ولكن، بالرغم من أن معضلة مالثوس كانت واقعية، إلا أنه أخفق في تقدير قوة التكنولوجيا. ولم يدرك أن هذه الضغوط بالذات ستنتج رد فعل إنساني في أوروبا الثورة الزراعية التي زادت من إنتاج الغذاء بشكل هائل. (كما أن القارة خففت من الضغط السكاني من خلال تصدير عشرات الملايين من الناس إلى العديد من المستعمرات في الغالب إلى القارة الأميركية) . إذا، لقد أخطأ مالثوس بشأن أوروبا، لكن تحليله كان صائبة بخصوص آسيا وإفريقيا.
القوة ضعف