الصفحة 154 من 244

والفنون والأسلحة. وأولئك الذين كانوا يعاملون بطريقة سيئة أو ينبذون في مكان ما، كان باستطاعتهم الانتقال إلى مكان أخر والازدهار فيه. والدول التي كانت تحقق نجاحا كانت تقلد، أما الفاشلة فتندثر. ومع الوقت ساعدت هذه المنافسة أوروبا على أن تصبح فائقة البراعة في صنع الثروات وصنع الحروب معا (10) .

بالمقابل، تتكون أسيا من أراض سهلية فسيحة؛ كسهول روسيا والصين. وفي تلك المناطق، كانت الجيوش تتحرك بسرعة وبقليل من المقاومة (اضطر الصينيون إلى بناء السور العظيم لأنهم لم يكونوا يستطيعون الاتكال على أي حاجز طبيعي من أجل حماية أراضيهم) . وقد ساعدت هذه الطبيعة الجغرافية على إقامة إمبراطوريات مركزية شاسعة استطاعت الحفاظ على سلطتها لقرون. تمعن، على سبيل المثال، في الحادثة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهي قرار عائلة مينغ بإيقاف الاستكشاف البحري بعد رحلات زينغ هي، لعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الحظر على الاستكشاف البحري هو أنه نجح. مثل هذه السياسة لم يكن بالإمكان تطبيقها في أوروبا. لأنه لم يكن هناك ملك يحظي بالقوة الكافية لفرض مثل هذا القرار، وحتى لو كان قوية إلى هذه الدرجة فإن الناس وما يملكون من خبرة كانوا ببساطة سينتقلون إلى دولة، أو مدينة مستقلة أو إقطاعية مجاورة. لكن الإمبراطور في الصين كان قادرة على إرجاع عجلة الزمن إلى الوراء.

الممرات البحرية بدورها كانت نعمة على أوروبا. فأنهارها تتدفق ببطء نحو خلجان محمية وصالحة للملاحة. فالراين، مثلا، نهر عريض وبطيء الحركة يمكن استخدامه كطريق سريع لنقل البضائع والناس، والبحر المتوسط بحر هادئ - أشبه ببحيرة - وفيه الكثير من الموانئ الكبيرة. قارن هذه الممرات المائية مع تلك الإفريقية. بالرغم من أن إفريقيا هي ثاني أكبر قارة في العالم، إلا أنها تملك الشريط الساحلي الأقصر، والكثير منه غير صالح لبناء مرافئ هامة بسبب ضحالة مياهه. ومعظم أنهارها الكبيرة غير صالحة للملاحة لأنها جارفة وتسبب الدوار. فإذا أضفت إلى ذلك الحرارة الاستوائية، التي تساعد على إفساد الطعام وانتشار الأمراض، فسيكون أمامك تفسير جغرافي لافت للانتباه لتخلف إفريقيا، ليس العامل الوحيد بالتأكيد لكنه مهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت