قد تجعل هذه التفسيرات الأمر يبدو وكأنه لم تكن هناك أي إمكانية لأن يسلك التاريخ أي مسار آخر. لكن هذه العوامل البنيوية، في واقع الأمر، خبرك فقط بقابلية مجتمع ما على تحقيق أمر ما، أي ما تشير إليه الاحتمالات. وفي بعض الأحيان قد تخسر الاحتمالات المرجحة أو الأفضليات. فبالرغم من تنوعها الجغرافي، فقارة أوروبا تعرضت للغزو ذات مرة من قبل إمبراطورية عظيمة، وهي روما، التي حاولت الحفاظ على مركزية إمبراطوريتها إلى أطول أمد ممكن. والشرق الأوسط ازدهر في إحدى الحقب التاريخية في ظل إمبراطورية مترامية الأطراف. وكذلك الصين، بالرغم من طبيعتها الجغرافية المنبسطة. والهند أيضا عاشت مراحل متألقة في تاريخها. وكانت الامتيازات الأوروبية في البداية قليلة وتتعلق في الغالب بالأسلحة وتقنيات الحرب، لكنها بمرور الوقت تضاعفت وعززت بعضها بعضا، فتقدم الغرب أكثر فأكثر حتى سبق البقية.
غنائم النصر إن اكتشاف ممرات بحرية جديدة وحضارات غنية وشعوب غريبة حرك طاقة الغرب وأثار خياله. إذ حيثما توجه الأوروبيون كانوا يجدون البضائع والأسواق والفرص. وبحلول القرن السابع عشر، كانت الأمم الغربية تزيد من نفوذها على جميع المناطق والثقافات التي أقامت علاقات معها. لم يبق جزء من العالم لم يصلوا إليه، من الأراضي الواقعة في الجهة المقابلة من المحيط الأطلسي إلى أبعد مكان في إفريقيا وآسيا. ومع نهاية القرن الثامن عشر، حتى أستراليا والجزر الصغيرة الواقعة جنوب المحيط الهادئ وضعت كأهداف نصب أعين الأوروبيين. في البداية، بقي الشرق الأقصى - الصين واليابان - بعيدا عن هذا النفوذ، لكنه بدوره وقع فريسة الفتوحات الغربية بحلول منتصف القرن التاسع عشر. ومع نهوض الغرب بدأت حضارة عالمية تتشكل، حضارة شكلت معالمها وهيمنت عليها دول من أوروبا الغربية.
ركز الأوروبيون في البداية على إيجاد منتجات قد يحتاج إليها الناس في أوطانهم. وكان هذا الأمر، في بعض الأحيان، يحدث بطريقة النهب، وفي أحيان أخرى، باعتماد الوسائل التجارية. جلبوا معهم الفرو من القارة الأميركية، والتوابل من آسيا، والذهب