الصفحة 190 من 244

الصين لم تعش في ظل حكم خارجي مباشر، إلا أن خلفيتها الكونفوشيوسية نبذت بوحشية بواسطة العقيدة الشيوعية طوال أربعين عاما. واليابان اختارت الكثير من الأنماط والأفكار الأميركية خلال القرن الماضي. وبالرغم من أن إفريقيا تملك تقاليدها الراسخة الخاصة بها، إلا أنها، في الوقت ذاته، موطن لأكبر تجمع سكاني مسيحي في العالم، والأسرع نموا أيضا. وفي أميركا اللاتينية، لا تزال الكنائس جوهرية بالنسبة إلى حياة دولها بطريقة لا يمكن تخيلها في أوروبا. فنحن نسمع الكثير عن الإنجيلية البروتستانتية في الولايات المتحدة، لكن نموها الأسرع يحدث في البرازيل وكوريا الجنوبية. فإذا كانت القيم المسيحية تكمن في قلب التقاليد الغربية، فكيف نعرف بلدة مثل جنوب إفريقيا الذي يملك أكثر من سبعة آلاف طائفة مسيحية؟ أو نيجيريا التي تملك من الأنجليكانيين ما يفوق عددهم في إنكلترا؟

في الحقيقة، إن الغرب والبقية يتفاعلان منذ آلاف السنين. فالشرق الأوسط حافظ على، وطور، العلوم الغربية لقرون. وروسيا شهدت صراعا بين هويتها الغربية وغير الغربية لمدة لا تقل عن أربعة قرون. في كثير من بقاع العالم، كان الغرب موجودة منذ مدة طويلة لدرجة أنه أصبح جزءا من نسيج تلك الحضارات. ولهذا فمن الطبيعي أن يبني أكبر كازينو في العالم في ماكاو، الصين، وقد شيد بطريقة تحاكي ساحة القديس مارك في فينيسيا، المتأثرة (بدورها) بقوة بالعمارة الإسلامية. فهل هو صيني، أم غربي، أم إسلامي أو عصري؟ لعله جميعها معا.

لقد اتخذت الحداثة وجهها الغربي لأنها بدأت مع نهوض الغرب، لكنها مع توسع العالم الحديث وضمه مزيدا من بقاع العالم أصبحت أشبه ببوتقة صهر. إن التجارة والأسفار والاستعمار والهجرة والبعثات التبشيرية قامت بخلط الأشياء ببعضها بعضا. الكل ثقافة عناصرها المميزة، وبعضها يحافظ على بقائه بالرغم من التحديث، لكن البعض الآخر لا يستطيع، فمع تقدم الرأسمالية، تموت الأعراف التراتبية، والعائلية والرسمية، والإقطاعية القديمة كما ماتت أخواتها في الغرب. وتأثير القيم الغربية الحديثة لا يزال قوية. صحيح أن الصين والهند قد تكونان أقل مي"للتصرف وفق حقوق الإنسان، لكنهما مضطرتان إلى التعامل مع حقيقة أن هذه القضية موضوعة على"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت