جعل واشنطن متعجرفة، وكسولة، ومهملة. بيد أن الجولة المجانية وصلت إلى نهايتها.
الاندفاع نحو عالم ما بعد أميركا
بالرغم من أن مدى هذه الأزمة المالية أكبر من أي شيء نحتفظ به في ذاكرتنا القريبة، إلا أنها ليست غير مسبوقة. فقد جن جنون الهولنديين بسبب أزهار التوليب في بدايات القرن السابع عشر، وأصاب هوس سكك الحديد البريطانيين في أربعينيات القرن التاسع عشر. وحتى في العقود القليلة الماضية، وقعت كوارث مالية في المكسيك والأرجنتين والبرازيل وجميع دول أميركا اللاتينية تقريبا. وأفلست روسيا ومن يسبح في فلكها في تسعينيات القرن العشرين، ثم أصابت العدوى آسيا في نهاية ذلك العقد. كما أن انهيار إدارة رأس المال على المدى الطويل
ما يميز أزمة العام 2008 بالتحديد هو أنها لم تنشأ في بقعة متخلفة من العالم النامي، بل نشأت من قلب الرأسمالية العالمية - الولايات المتحدة الأميركية - وشقت طريقها عبر شرايين نظام المال الدولي. ومع أنها لا تنذر بنهاية الرأسمالية - بالرغم من آراء بعض الخبراء - إلا أنها قد تعني إلى حد كبير نهاية نوع محدد من الهيمنة العالمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. إن الهيجان الاقتصادي الحالي يسرع الانتقال إلى عالم ما بعد أميركا. فإذا كانت حرب العراق وسياسة جورج دبليو بوش الخارجية تسببتا بنزع صفة الشرعية عن السلطة السياسية - العسكرية لأميركا في أعين العالم، فإن الأزمة المالية ستتسبب بنزع الشرعية عن سلطتها الاقتصادية أيضا.
مهما كان رأي الناس بالسياسة الخارجية الأميركية، فإنهم جميعا يتفقون على أن الولايات المتحدة هي الاقتصاد الأكثر حداثة وتطورة وإنتاجية في العالم، بالإضافة إلى أسواقها المالية. نتيجة لذلك، هيمنت الولايات المتحدة ليس فقط في مجال القوة العسكرية والدبلوماسية بل في مجال الأفكار أيضا. لهذا السبب، درس مدراء المصارف المركزية ووزراء المال حول العالم أسس مهنتهم في المدارس الأميركية، وطور السياسيون اقتصاداتهم باتباع النصائح المقدمة من إجماع واشنطن، وكانت ابتكارات