الصفحة 74 من 244

للهدوء النسبي الذي نعيشه اليوم أساس بنيوي عميق يعزى إلى تفوق الاقتصاد على السياسة في كل مكان على هذه الأرض. وما يدعونه محللو وول ستريت بالخطر السياسي بالكاد نلمس له وجودا. لقد فقدت الحروب والانقلابات والإرهاب الكثير من قدرتها على إعاقة الأسواق لأكثر من مدة محدودة. بالطبع - مرة أخرى - قد لا يدوم هذا الوضع (ولم يدم تاريخيا) ، لكنه العالم الذي نعيش فيه منذ عقد على أقل تقدير.

هذه ليست المرة الأولى التي يتزامن فيها الاضطراب السياسي والنمو الاقتصادي معا. هنالك مرحلتان سابقتان تبدوان كثيرتي الشبه بهذه المرحلة: الازدهار الذي حدث خلال تسعينيات القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين، والازدهار الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية في الخمسينيات وبداية الستينيات. في كلتا المرحلتين كانت السياسة تشهد اضطرابة عاصفة في حين أن الاقتصاد كان يتمتع بحالة قوية وصحية. ولهاتين المرحلتين ميزة مشتركة، وهي أن الدول الكبرى كانت تدخل الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى زيادة حجمه وتغيير شكله، وكان توسع الشطيرة كبيرة جدا لدرجة أنه غلب على الاضطرابات اليومية.

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت هنالك مخاوف دائمة من وقوع حرب بين القوى الأوروبية الكبرى، مدفوعة - أي المخاوف - غالبا من الأزمات التي كانت تعصف في البلقان وشمال إفريقيا ومواقع ساخنة أخرى. ولكن، بالرغم من أن المناطق الملتهبة وسباقات التسلح، فقد كان الاقتصاد العالمي في حالة صعود وازدهار. كانت تلك حقبة أولى حركات رأس المال الكبرى، من أوروبا إلى العالم الجديد. وفي تلك الحقبة، كانت ألمانيا والولايات المتحدة تشهدان تحولا صناعية سريعة أمن لهما مكانا ضمن أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم.

تذكر فترة الخمسينيات وبداية الستينيات أحيانا بأنها فترة هادئة، لكنها في واقع الأمر كانت مرحلة مليئة بالتوتر، فالحرب الباردة كانت قد بدأت منذ عدة سنوات، وكانت هناك مخاوف من حدوث صراع مع الاتحاد السوفييتي والصين، واندلاع حرب حقيقية في كوريا. كما أنها شهدت أزمات مرحلية تحولت أغلبها إلى حروب؛ مضيق تايوان، والكونغو، وقناة السويس، وخليج الخنازير، وفيتنام. وبالرغم من ذلك، تابعت الأنظمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت