وهي انتشار المصارف المركزية المستقلة وترويض التضخم. إن التضخم المفرط أسوأ مرض اقتصادي يمكن أن يصيب أمة ما. إنه يدمر قيمة المال وحسابات التوفير والملكيات وبالتالي العمل. إنه حتى أسوأ من حدوث رکود عميق. فالتضخم المفرط يحرمك مما تملكه الآن (الأموال الموفرة) ، في حين أن الركود يحرمك مما يمكن أن تكون قد امتلكته (مستويات معيشة أعلى إذا كان الاقتصاد حقق نموا) . لهذا السبب، غالبا ما تسبب التضخم المفرط في إسقاط حكومات وحدوث ثورات. فعلى سبيل المثال، لم يكن الكساد العظيم هو السبب في إيصال النازيين إلى السلطة في ألمانيا، بل التضخم المفرط الذي دمر الطبقة الوسطى بجعل أموالها الموفرة عديمة القيمة.
في الواقع، من النادر أن تجد حربة انتصر فيها أحد الجانبين بشكل ساحق. في أواخر الثمانينيات، عانت عشرات الدول الكبيرة والهامة من التضخم المفرط. في الأرجنتين كانت نسبة التضخم 3
, 500 بالمئة، وفي البرازيل 1
200 بالمئة، وفي البيرو 2 , 500 بالمئة. وفي التسعينيات، انتقلت هذه الدول واحدة بعد الأخرى بواقعية نحو الانضباط النقدي والمالي، بعضها تقبلت ضرورة تعويم عملاتها، بينما عمدت دول أخرى إلى ربط عملاتها باليورو أو الدولار. ونتيجة لذلك يوجد اليوم اثنتي عشرة دولة فقط يتخطى فيها التضخم نسبة 15 بالمئة، ومعظمها دول فاشلة مثل هاييتي وبورما وزيمبابوي. وقد كان هذا الجو السائد من التضخم المنخفض عاملا حاسما في الاستقرار السياسي وفي توفير فرص اقتصادية جيدة للدول الناشئة.
إلى جانب العاملين الاقتصادي والسياسي اللذين دفعة الدول باتجاه إجماع جديد جاءت سلسلة من الاختراعات التكنولوجية لتدفعها في نفس الاتجاه. من الصعب علينا اليوم أن نتذكر كيف كانت الحياة في أيام السبعينيات المظلمة عندما لم يكن بالمستطاع نقل الأخبار بشكل فوري. لكن الأمور تغيرت بحلول التسعينيات، حيث كانت الأحداث الجارية في أماكن مختلفة من العالم - ألمانيا الشرقية، الكويت، ساحة تيانان مين - نقل وقت حدوثها إلى جميع الأمكنة. إننا نفكر عادة في أن الأخبار سياسية بصورة أساسية، لكن الأسعار هي أيضا نوع من الأخبار، والقدرة على نقل الأسعار بصورة آنية وشفافة إلى جميع أنحاء العالم أحدثت ثورة أخرى في الفعالية.