فهرس الكتاب
قد توجد ظروف لا تحتاج فيها السلطة إلى اللجوء إلى القوة. وطالما تؤدي العقيدة الدوغمائية السائدة وظائفها في تقديم تفسير شامل جامع، سوف ينزع الناس إلى القبول بها دون مساءلة. فعلى الرغم من كل شيء، تتمتع العقيدة الدوغمائية بموقع احتكاري: ففي حين قد تتوفر آراء متنوعة حول قضايا معينة، لكن عندما يتعلق الأمر بالواقع ككل لا يوجد سوى رأي واحد مقبول. فالناس ترعرعوا تحت حمايته، وتربوا في كنف رعايته، ودربوا على التفكير بلغته وتعابيره من الطبيعي بالنسبة لهم قبوله لا مساءلته.
لكن حين تتطور التناقضات الداخلية إلى مجادلات ومناظرات غير واقعية، أو حينما تجري حوادث جديدة لا تناسب التفسير الراسخ، قد يبدأ الناس بمساءلة الركائز والتشكيك في الأسس. وعندما يحدث ذلك، لا يمكن الحفاظ على نمط التفكير الدوغمائي إلا باستعمال القوة. واستعمال القوة لابد أن يحدث تأثيرا عميقا في ارتقاء الأفكار. ولا يعود التفكير يتطور على خطوطة ذاتها، بل يتشابك بشكل معقد مع سياسة القوة. وترتبط أفكار معينة بمصالح محددة، ويعتمد انتصار أي تفسير على القوة السياسية النسبية لمؤيديه لا على صوابية الحجج المحتشدة الدعمه ومساندته. ويصبح العقل ساحة معركة للقوى السياسية، وبالمقابل، تصبح العقائد أسلحة في أيدي الفصائل المتحاربة.
وبذلك يمكن إطالة حياة العقيدة الدوغمائية بوسائل لا علاقة لها بصوابية الحجج وصحة الأدلة. وكلما تعاظم الإكراه المستخدم للحفاظ على العقيدة بالقوة، تضاءل احتمال أن ترضي حاجات العقل المتسائل. وحين تنهار هيمنة العقيدة في نهاية المطاف، يرجح أن يشعر الناس بأنهم