فهرس الكتاب
السحيق. فطرد الإنسان من جنات عدن موضوع متكرر في تاريخهم. لكن يستحيل استعادة البراءة ما إن تفقد - إلا في حالة نسيان التجربة الإنسانية برمتها. وفي أي محاولة لإعادة تأسيس شروط وظروف المجتمع العضوي بشكل اصطناعي، فإن أصعب ما يمكن تحقيقه هوتماهي جميع الأعضاء في المجتمع الذي ينتمون إليه دون مساءلة وبشكل غير قابل للنقاش. ومن أجل إعادة تأسيس الوحدة العضوية، ومن الضروري إعلان تفوق وأولوية الجماعة. لكن النتيجة ستختلف عن المجتمع العضوي في جانب حيوي ومهم واحد: بدلا من التماهي معه، تخضع المصالح الفردية للمصالح الجمعية.
التمييز بين المصالح الفردية والعمومية يثير سؤالا مقلقا ومربكا: ما هي المصلحة العمومية فعلا؟ يجب تحديد وتعريف المصلحة المشتركة، وتفسيرها، وفرضها على المصالح الفردية المتناقضة إذا دعت الضرورة. وأفضل من يؤدي هذه المهمة حاكم على رأس السلطة، لأنه يستطيع تعديل سياساته تبعا للظروف؛ أما إذا أوكلت المهمة إلى مؤسسة فمن المرجح أن تؤديها بطريقة مربكة ومتصلبة تفتقد الكفاءة والفاعلية في نهاية المطاف. ولسوف تسعى هذه المؤسسة لمنع التغييرات، لكنها لن تنجح على المدى الطويل.
بغض النظر عن التعريف النظري للمصلحة المشتركة، من المرجح أن تعكس في الممارسة العملية مصلحة الحكام. فهم الذين يؤكدون تفوق وأولوية الكل، وهم الذين يفرضون إرادته على العصاة والمنشقين؛ وهم الذين يستفيدون من ذلك كله، إلا إذا افترضنا غيريتهم الكلية. لا يسعى الحكام بالضرورة وراء غاياتهم الأنانية كأفراد، لكنهم يستفيدون فعلا من النظام القائم كطبقة: فهم - بالتعريف - الطبقة التي تحكم.