الثانية- قال ابن العربي: فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظن لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم، قال الله تعالى:"چ ? ? ? ? ? ? چ [1] ."
الثاني: إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورةً. وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح، لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم. وقال الأزهري: معناه إذا عاهدت قومًا فعلمت منهم النقض بالعهد فلا توقع بهم سابقًا إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت العهد والموادعة , والمعنى: وإما تخافن من قومٍ بينك وبينهم عهد خيانةً فانبذ إليهم العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواءً، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك، فيكون ذلك خيانةً وغدرًا. ثم بين هذا بقوله:"إن الله لا يحب الخائنين".
(أي أنه ما دام هناك عهد والعهد ملك لطرفين، هذا عاهد وذاك عاهد، فإياك أن تأخذهم على غرة، بل انبذ إليهم، والنبذ هو الطرح والإبعاد، أي عليك أن تلغي العهد
(1) سورة نوح: الاية / 13.