الصفحة 15 من 29

والاشتغال بالقضاء نوع من الولايات، يطبق عليه الفقهاء أحكام إجارة الأشخاص، ويذهبون في أن يكون المسلم أجيرًا لغير المسلم ثلاثة مذاهب:

الأول: جواز الإجارة، وبه قال الحنفية [1] والحنابلة [2] ، لما رواه الترمذي من أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أجر نفسه من يهودي ليقوم بالسقاية له مقابل تمر، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك [3] ، وهو عقد ليس فيه إذلال للمسلم.

الثاني: كراهة هذا النوع من الإجارة، لما فيه من امتهان المسلم وإذلاله، وهو مذهب المالكية [4] .

الثالث: منع هذه الإجارة؛ لأنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله، وهو قول عند الشافعية [5] ، ورواية عند الحنابلة [6] .

والراجح - والله اعلم - جواز هذا النوع من الإجارة؛ لما ثبت من تأجير علي كرم الله وجهه نفسه من اليهودي، ولأن هذا النوع من الإجارة لا يتضمن إذلال المسلم ولا امتهانه، بل بالعكس فيه تكريم له؛ لما هو معروف من شرف منصب القضاء واستقلال السلطة القضائية وهيبة القاضي واحترامه.

الأصل - إذن - أن المسلم يجوز له الاشتغال بالقضاء خارج ديار الإسلام، ومع ذلك فلابد من وقفة متأنية لاستعراض المهام الموكولة للقاضي، فقد يكون من بينها ما لا يحل له أن يباشره، ذلك أن التصرفات التي تصدر عن القاضي تنقسم إلى قسمين:

الأول: - الفصل في الخصومات، وهو الوظيفة الأساسية للقضاء في الفقه الإسلامي [7] وفي القوانين الوضعية [8] .

(1) ابن نجيم، البحر الرائق: 8/ 35.

(2) البهوتي، كشاف القناع: 3/ 560.

(3) هذا الأثر أخرجه الترمذي في سننه كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (2397) ، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجة في سننه كتاب الأحكام باب الرجل يستقي كل دلو بتمرة ... (2437) ، وجود إسناده ابن حجر في تلخيص التحبير 3/ 1034، وقال الألباني في التعليقات الرضية: لو شواهد.

(4) الخرشي، حاشية على مختصر خليل: 7/ 249.

(5) الشيرازي، المهذب مع تكملة المجموع: 15/ 7.

(6) ابن قدامة، المغني: 8/ 136"وذكر بعض أصحابنا أن ظاهر كلام أحمد منع ذلك".

(7) ابن عابدين، حاشية: 5/ 352. البهوتي، شرح منتهى الإرادات: 3/ 459.

(8) أحمد أبو الوفا، نظرية الأحكام، ص 12، محمد عبد الخالق عمر، قانون المرافعات المدنية، ص 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت