ولهذا لا نرى ما يمنع المسلم من العمل في وظائف النيابة العامة في البلاد الإسلامية - التي لا تحكم بشرع الله - أو في البلاد غير الإسلامية، ذلك أنه في الحقوق العامة كثيرًا ما يوجد المدعى عليه ويتعذر وجود المدعي، كمن قتل شخصًا مجهولًا، أو سرق مالًا لم يعرف صاحبه بعد، أو اعتدى على حق عام، أو اقترف عملًا يضر بمصلحة المجتمع [1] . ووجود النيابة العامة يمنع ضياع حقوق المجتمع، ويصون دماء أفراده من أن تطلّ، ويحيط المتهم بالأمن والحماية حتى لا تنسب إليه أفعال أو أقوال لا علاقة له بها، والله أعلم.
ماهية الاشتغال بالمحاماة:
تندرج مهنة المحاماة تحت عقد الوكالة الذي نظمه الفقه الإسلامي، ووضع له التعريف الآتي: «استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة» [2] ، فالمحاماة نوع من أنواع التوكيل، يطلق عليه الفقهاء مصطلح (التوكيل على الخصومة) أو (التوكيل بالخصومة) ، ويمكن تعريفه بأنه: «استنابة جائز التصرف مثله في مدافعة غيره عن حقه الذي تدخله النيابة، حال الحياة، لدى قاض» [3] .
مشروعية الاشتغال بالمحاماة:
ثبتت مشروعية الوكالة بالقرآن الكريم [4] ، والسنة النبوية [5] ، وبالإجماع [6] ، وبالمعقول [7] ، وهو - في الجملة - دليل مشروعية الوكالة بالخصومة [8] ، واتخاذها مهنة يمارسها الوكيل مقابل أجر يدفعه الموكل [9] .
(1) عبد الرحمن القاسم، النظام القضائي الإسلامي، 1393 هـ - 1973 بدون ناشر، ص 675.
(2) البهوتي، الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/ 203. ابن عابدين، حاشية 5/ 510. الحطاب، مواهب الجليل 5/ 181. الخطيب، مغني المحتاج 2/ 217، المرداوي، الإنصاف 5/ 353.
(3) عبد الله آل خنين، الوكالة على الخصومة، مجلة العدل - الرياض - عدد 15، السنة الرابعة، رجب 1423 هـ، ص 40.
(4) التوبة:60، وانظر في تفسيرها، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 8/ 177.
(5) الشوكاني، نيل الأوطار 6/ 3.
(6) حكاه فقهاء المذاهب الأربعة، ينظر: ابن الهمام، فتح القدير 7/ 499. الخطيب، مغني المحتاج 2/ 217، ابن قدامة، المغني 5/ 201 - 202.
(7) الشاطبي، الموافقات 2/ 305.
(8) عبد الله آل خنين، المرجع المتقدم، ص 41 - 46.
(9) ابن حزم، المحلى 8/ 196. ابن عابدين، العقود الدرية 1/ 324. الصاوي، حاشية على الشرح الصغير 3/ 523، النووي، المجموع وتكملته 13/ 612. ابن قدامة، المغني 5/ 211.