والثاني: - الأعمال الولائية التي تدخل في اختصاص القضاء، كإبرام عقود البيع والشراء لليتامى والغائبين، وكتزويج من لا ولي لها أو عضلها الولي، وكإثبات الصفات من نحو العدالة والجرح والأهلية، وكإثبات الأحكام الشرعية نحو رؤية الهلال ... وغير ذلك [1] .
فأما الأعمال الولائية التي تدخل في اختصاص القاضي المسلم، فنحن نرى - والله أعلم - جواز مباشرتها؛ لأنها أقرب إلى الأعمال الإدارية، ولا تكتسب حجية الشيء المحكوم به، ولا تخضع لشكليات الحكم القضائي [2] ، ويلحق بها في الحكم ممارسة قضاء التحقيق، والقضاء الإداري، وقضاء المنازعات المالية والضريبية ونحو ذلك من الأمور التي لا يشوبها - في الجملة - محظور شرعي.
وأما الفصل في الخصومات، والحكم في الأموال والدماء والمناكحات، فله شأن آخر، إذ إنه يرتبط بتطبيق قوانين قد لا يقرها الإسلام أو تتعارض مع قواعده ومبادئه العامة، وحينئذ ينبغي على القاضي المسلم أن يقف حذرًا إزاءها، فلا يطبق منها إلا ما يطمئن إليه قلبه، ويترفق في غير ذلك دون أن يعرض نفسه للمساءلة والتأديب.
وقد أفتى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - في مسألة مشابهة - بجواز دخول المسلم برلمانات الدول غير الإسلامية، لما يترتب على عضوية تلك المجالس من مصالح تتعلق بحقوق مسلمي هذه الدول، وحقوق غيرهم من مواطني الدول الإسلامية، بشرط ألا يوافق على القوانين المخالفة للإسلام، أو الأمور التي يعود ضررها على الإسلام أو المسلمين في أي بقعة من العالم، وأن يدافع عن حريات المسلمين وحقوقهم، وأن يحاول التحالف مع الكتل الأخرى لإزالة المنكر أو الإقلال منه [3] .
فإذا كان الشيخ - رحمه الله - قد أفتى بجواز عضوية المجالس التشريعية للمسلم المقيم خارج ديار الإسلام، وهي السلطة المخولة بإصدار القوانين، فلا مانع عندي من أن يكون المسلم عضوًا في السلطة القضائية التي تطبق هذه القوانين، مع مراعاة الضوابط الواردة في فتوى الشيخ الألباني،
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 221، محمود هاشم، قانون القضاء المدني 1/ 138.
(2) محمد عبد الخالق عمر، قانون المرافعات المدنية، ص 21.
(3) سليمان بن محمد توبولياك، الأحكام السياسية للأقليات المسلمة في الفقه الإسلامي، ص 147 - 148.