وقرنه بالكفر فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ، وَالفَقْرِ) [1] وفد امتن ربه عليه بالغنى فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [2] .
من أجل ذلك رَدَّ الحديث المذكور, والحق أن المسكنة هنا لا يراد بها الفقر، وإنما المراد بها التواضع وخفض الجناح، قال العلامة ابن الأثير: أَرَادَ بِهِ التَّوَاضُعَ وَالإِخْبَاتَ، وأَلاَّ يَكُونَ مِنَ الجَبَّارِينَ المُتَكَبِّرِينَ [3] .
وهكذا عاش صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن حياة المستكبرين فكان يجلس كما يجلس العبيد والفقراء، ويأكل كما يأكلون ويأتي الغريبُ فلا يميزه من أصحابه، فهو معهم كواحد منهم. وهو في بيته يخصف نعله بيده، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته ويطحن بالرحا مع الجارية والغلام. ولما دخل عليه رجل هابه فارتعد، فقال له: (هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَلَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ بِمَكَّةَ) [4] .
وقد ذكر الشاطبي عدة أمثلة لما يمكن أن يترتب على عدم فهم اللغة في القرآن والسنة ثم قال: فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ كَيْفَ يَقَعُ الْخَطَأُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك قد يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَالصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بُرَآءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ لَمْ يَحْتَاجُوا فِي فَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَدَوَاتٍ وَلَا تَعَلُّمٍ، ثُمَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَرَبِيِّ اللِّسَانِ تَكَلَّفَ ذَلِكَ حَتَّى عَلِمَهُ [5] .
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بلغة العرب، فمن لم يفهم لغة العرب فلن يفهم كلامه.
(1) أبو داود في سننه كتاب الأدب أبواب النوم باب ما يقول إذا أصبح 4/ 324 رقم: 5090، أحمد في مسنده 34/ 52 رقم: 20409، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/ 250.
(2) سورة الضحى الآية 8.
(3) النهاية في غريب الحديث 2/ 385.
(4) رَوَاهُ ابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة باب القديد 2/ 1101 رقم: 3312، وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات، وَالْحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ 2/ 506 رقم: 3733، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ووافقه الذهبي.
(5) الاعتصام للشاطبي 3/ 264.