-أنّها حضارة متوازنة وازنت بين الجانب الروحي وبين الجانب المادي في اعتدال هو من طوابع الفكر الإسلامي وميزة من مزايا الحضارة الإسلامية في كل العصور فلا تفريط ولا إفراط، إنّما هو الاعتدال الذي هو من صميم العدالة التي تقام في ظله موازين القسط.
-أنّها حضارة باقية بقاء الحياة على وجه الأرض، تستمد بقاءها من الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، وقد تكفّل الله تعالى بحفظ الدين الحنيف، وهي بذلك حضارة ذات خصوصيات متفرّدة، فالحضارة الإسلامية لا تشيخ لتنقرض، لأنّها ليست حضارة قومية ولا هي بعنصرية ولا هي ضد الفطرة الإنسانية، والإسلام لا يتمثل في المسلمين في كل الأحوال، لأنّ المسلمين قد يضعفون ويقلّ نفوذهم ويتراجع تأثيرهم، لكن الإسلام لا يضعف ولا يقلّ نفوذه ولا يتراجع تأثيره، وهي بذلك حضارة دائمة الإشعاع تتعاقب أطوارها وتتجدّد دوراتها. [1]
واقع الحضارة الإسلامية اليوم لا يعبّر عن المكانة التي ينبغي أن تتبوّأها الأمة الإسلامية، ولكن مع ذلك لا يستسيغ لنا هذا الوضع أن نحكم على الحضارة الإسلامية بالانهيار، لأننا بذلك سنكون مندفعين مع الأحكام الارتجالية، وغير منصفين وأبعد ما تكون عن الدقّة في وصف الحال.
إن ثمّة العديد من الأدلّة والقرائن على بطلان النظريّة الّتي تقول بانهيار الحضارة الإسلامية أو سقوطها أو اضمحلالها بتراجع الأمّة الإسلاميّة عن مواصلة أداء دورها في إغفال الحضارة الإنسانيّة الحديثة، ولقد كان المفكّر المصري فؤاد محمّد شبل الّذي ترجم (مختصر دراسة التّاريخ) لأرنولد توينبي، من الأوائل الّذين تفطّنوا إلى الدّلالة العميقة لمعنى انهيار الحضارات، حيث يقول: إنّ الانهيار لا يعني تماما أنّ المقصود به نهاية مرحلة الارتقاء، إذ لا يشير التّاريخ إلى أيّة حدود لفترة الحياة الممكنة وإنّ نهاية الارتقاء التي هي حادث طبيعي في تاريخ الكائن الحيّ، هي حادث غير طبيعي في تاريخ المجتمع، وقد استخدم الاصطلاح بهذا المعنى، فإنّ طائفة من أهم الأعمال المثمرة النّيرة والمشهورة في تاريخ حضارة ما قد جاءت في أعقاب الانهيار _أو بالفعل _ نتيجة له، هذه رؤية عميقة بعيدة المدى إلى طبيعة الحضارات الإنسانية المتعاقبة ننظر من خلالها إلى واقع الحضارة الإسلامية اليوم في
(1) - عبد العزيز بن عثمان التويجري، خصائص الحضارة الإسلامية وآفاق المستقبل.