الصفحة 8 من 33

آثارها ونتائجها ... أنّ التأمل العميق في واقع العالم الإسلامي اليوم تجاوز الأحداث العابرة والمتغيرات الآنية واختراق المظاهر السطحية، يفضي بنا إلى نتائج قد تبدو غير متّفقة مع طبائع الأشياء الظاهرة ومع منطق الأحداث الجارية. إنّ الضعف العام الذي يعاني منه العالم الإسلامي في مجالات كثيرة وانخفاض معدّلات النمو الذي يطبع الحياة الاقتصادية والاجتماعية في معظم المجتمعات الإسلامية هو عارض وهو في مرحلة عابرة لن تطول ستعقبها مراحل أخرى، لأنّ تلك هي سنّة الكون وطبيعة الحضارات، ولأنّ جذور الحضارة الإسلامية لا تزال سليمة محافظة على عناصرها الحية والمسلمون هم المسئولون عن إنعاش هذه الجذور وإحيائها بضخ دم جديد في شرايين الحضارة الإسلامية حتى تستأنف دورانها وتواصل عطائها وتقوم بدورها في إنقاذ الحضارة الغربية التي تعان من أزمات شديدة لا سبيل لمعالجتها وتجنّب البشرية كوارثها المحتملة إلاّ بتطعيمها بمبادئ الحضارة الإسلامية ذات الروح الإيمانية والنزعة الإنسانية والرؤية المستقبلية. [1]

لعلّ من المسلّمات الأساسية للفكر الحديث اعتباره أنّ تاريخ البشرية_ككل_ لا يحتضن سوى ثلاث حضارات ثقافية منظّرة للعالم، وهي: الحضارة اليونانية القديمة والحضارة الإسلامية الوسيطة والحضارة الغربية الحديثة التي مازالت ممتدّة مند عصر النهضة وإلى يومنا هذا. بمعنى أنّ الفكر الحديث لم يشكك في كون هذه الحضارات الثلاث وحدها التي قدّر لها أن تتمظهر بمظهر الثقافة المنظمة من التنظير والتفكير بعيدا نسبيا_عن الرؤى السحرية والأسطورية، فعلى الرغم من ظهور حضارات كثيرة ظلت حية فترات طويلة من الزمن قبل أن تتلاشى وتصبح أثرا بعد عين إلاّ أنّ الحضارات الثلاث لم تتزامن مع بعضها إذ الحضارة الإسلامية جاءت بعد أفول الحضارة اليونانية أو (الفرعويونانية) ، كما أنّ الحضارة الغربية أخذت تنمو باطّراد وقت تراجع الحضارة الإسلامية وتقهقرها، فالملاحظ أنّ هناك خطا زمنيا وراء البزوغ والأفول يدعو الباحث أن يتساءل عن علاقة هذه الحضارات ببعضها فهل كانت تبحث عن إشكالية مشتركة أم لكل منها إشكاليتها الخاصة؟ ثم هل كانت تعبّر عن علاقة خطّية واحدة ذات حلقات متّصلة بحيث يستضيء بعضها بنور البعض

(1) - عبد العزيز التويجري، مرجع سابق ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت