الآخر؟ أم أنّها تمتاز بقواطع معرفية كاملة؟ أم كونها تشكّل هجينا مخضرما من الامتزاج والتداخل في الثقافة المتبنّاة إلى الدرجة التي تغيب عنها الأصالة المطلقة باستثناء الحضارة الأصل؟ [1]
وبعد ذلك هل أنّ هذه الحضارات كانت تعبّر عن طموح موحّد وهدف مشترك أم أنها تضاربت في الميول والغايات؟ هذه التساؤلات المتلازمة ضمن"إشكالية الحضارة"قد تنقلب إلى تساؤلات موظفة للبحث عن شؤون حضارتنا"الغائبة"إذا كانت بين حضارتين فهي حضارة"ما قبل"و"ما بعد"مما يعني أنّ السؤال الذي يجول في الأذهان هو عمّا إذا كان لحضارتنا شيء من التأثر والتأثير على الحضارتين الأخريين، فهل هي عبارة عن انجرار ثقافي لحضارة"ما قبل"في الوقت الذي كان لها دور في ضمان خط التواصل الحضاري بتحويل إكسير الحضارة ومنحه إلى الحضارة"ما بعد"أم أنها شيء آخر مختلف؟ [2]
فقد حرص الغرب مند وطئت أقدامه التراب الإسلامي على تشويه الحضارة والثقافة الإسلامية ومحاربتها وسلخ الأمّة عن هويتها بوسائل عدّة من أخطرها إحداث تغيير الاجتماعي الذي يبعد الأمة الإسلامية عن إسلامها، مستغليّن في ذلك تفوّقهم وامتلاكهم لتكنولوجيا الاتصالات في العالم، ويتّخذ ذلك الترتيب لإحداث التغيير الاجتماعي خطة إستراتيجية طويلة المدى حتى لا تحس الأمة الإسلامية بالهدف البعيد، وربما لا يحس بالأسلوب الذي يجري به التغيير وكأنّه يتم تلقائيا. [3]
فلا يخفى على باحث أو دارس أنّ الغرب والشرق لم يكونا معزولين عن بعضهما بل اتّصلا ببعضهما اتّصالا - أيّا كان هذا الاتصال- منذ القدم وتاريخ هذا الاتصال حافل بالتّفاعلات والصّراعات الثقافية والسّياسية بين هذين العالمين، فأوروبا اكتشفت الفكر الإسلامي في مرحلتين من مراحل تاريخها، فكانت القرون الوسطى قبل وبعد توما الاكويني تريد اكتشاف هذا الفكر وترجمته ومن أجل إثراء ثقافتها بالطريقة التّي أتاحت لها فعلا تلك الخطوات التي هدتها إلى حركة النهضة. منذ أواخر القرن الخامس عشر ميلادي، وفي المرحلة العصرية والاستعمارية، فإنّها تكتشف الفكر
(2) -يحي محمد، مرجع سابق.
(3) -فهمي هويدي، أغلب دولنا الواجهة إسلامية والأنظمة علمانية. مجلة الوعي الإسلامي. العدد 532. 03/ 09/2011 م. الكويت.