الصفحة 10 من 33

الإسلامي مرة أخرى، لا من أجل تعديل ثقافي، بل من أجل تعديل سياسي، لوضع خططها السياسية مطابقة لما تقتضيه السّياسات في البلاد الإسلامية ويذكر المؤرّخون للاستشراق أنّ الجيوش الأوروبية الصليبية لمّا هاجمت بلاد الإسلام كانت مدفوعة إلى ذلك بدافعين:

الدّافع الأول: دافع الدّين والعصبية العمياء الّتي أثارها رجال الكنيسة في شعوب أوروبا مفترين على المسلمين أبشع الافتراءات، محرّضين النّصارى أشدّ تحريض على تخليص مهد المسيح في أيدي الكفّار -أي المسلمين - فكان جمهرة المقاتلين من جيوش الصليبيين من هؤلاء الذين أخرجتهم العصبية الدينية من ديارهم عن حسن نيّة، وقوّة عقيدة، إلى حيث يلاقون الموت والقتل والتّشريد.

الدّافع الثاني: دافع سياسي استعماري، فلقد سمع ملوك أوروبا بما تتمتّع به بلاد المسلمين من حضارة وثروات فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح، وما في نفوسهم إلاّ الرغبة في الاستعمار والفتح وشاء الله أن ترتدّ الحملات الصليبية كلها مدحورة مهزومة، وقد رأى الصليبيون بعد الإخفاق عسكريا. أن يتّجهوا إلى دراسة شؤون المسلمين وعقائدهم تمهيدا لغزوهم ثقافيا وفكريا، ومن هنا كانت النّواة الأولى لجمعيات المستشرقين [1] .

الهدف الدّيني للاستشراق كان يسير منذ البداية في اتّجاهات ثلاثة متوازية تعمل جنبا إلى جنب، وتتمثل هذه الاتجاهات فيما يلي:

1 -محاربة الإسلام والبحث عن نقاط ضعف فيه وإبرازها والزّعم بأنّه دين مأخوذ من النّصرانية واليهودية والانتقاص من قيمه والحطّ من قدر نبيّه.

2 -حماية النّصارى من خطره بحجب حقائقه عنهم، واطلاعهم على ما فيه من نقائص مزعومة، وتحذيرهم من خطر الاستسلام لهذا الدّين.

3 -التبشير وتنصير المسلمين.

وإذا كان السبب الرئيسي المباشر الذي دعا الأوروبيين للاستشراق سبب ديني وتبشيري فإنّنا لا ننكر أنّ هناك دوافع أخرى للاستشراق. قد تكون سياسية واستعمارية، وقد تكون علمية وتجارية،

(1) - أحمد عبد الكريم السّايح، الإستشراق في ميزان نقد الفكر الإسلامي. ط 1 (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1417 هـ -1996 م) .ص: 43 - 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت