"ما اغبرَّت قدما عبدٍ في سبيل الله فَتَمسَّهُ النار" [1] .
قال الحافظ ابن حجر: فإذا كان مجردُ مَسِّ الغبارِ للقدمِ يحرمُ عليها النار، فكيف بمن سعَى وبذلَ جهدَهُ واستنفدَ وسعه [2] ؟!.
-عن سلمان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِه، وإن ماتَ جرَى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقُه، وأَمِنَ الفُتَّان" [3] .
أصلُ الرِّباط: ما تُربطُ به الخيل، ثم قيلَ لكلِّ أهلِ ثغرٍ (أي جبهةٍ) يدفعُ عمَّن خلفه: رِباط.
قال الإمام النووي في هذا الحديث: هذه فضيلةٌ ظاهرةٌ للمرابط، وجريانُ عملهِ عليه بعد موتهِ فضيلةٌ مختصَّةٌ به لا يشاركهُ فيها أحد. وقد جاء صريحًا في غير مسلم:"كلُّ ميِّتٍ يُختَمُ على عملهِ إلا المرابطُ، فإنه يُنمَى له عملهُ إلى يومِ القيامة" [4] .
(1) ... أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من اغبرَّت قدماه في سبيل الله 3/ 207.
(2) ... فتح الباري 6/ 30.
(3) ... رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عزَّ وجلَّ 6/ 51.
(4) ... صحيح مسلم بشرح النووي 13/ 61.
أما قوله - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه مسلم في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته:"إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملهُ إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنْتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له"، فقد قال في معناه:"قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجددُ الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة، لكونه كان سببها. فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلَّفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف ..."صحيح مسلم بشرح النووي 11/ 85.
ولفظ الحديث الذي أورده النووي عند الترمذي:"كلُّ ميت يُختَم على عمله إلا الذي ماتَ مرابطًا في سبيل الله، فإنه يُنْمَى له عملهُ إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر". وقال: حديث حسن صحيح. كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا رقم (1621) 4/ 165.