فالأصل: رسولُ الله إسوة، فقيل: في رسول الله إسوة. وجعل متعلقُ الائتساء ذاتَ الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهَى عنه، والائتساءَ بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات.
وفي الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأنه الإسوة الحسنة لا محالة ولكن ليس فيها تفصيل وتحديد لمراتب الائتساء والواجب منه والمستحب ... واصطلاحُ أهل الأصول على جعل التأسّي لقبًَا لاتِّباع الرسول في أعماله التي لم يطالب بها الأمة على وجه التشريع [1] .
وأقول: وصفت الاسوة بأنها حسنة دون غيرها لأنه لا يتصور ان يصدر من ذاته صلى الله عليه وسلم حاشاه أمر قبيح، وكأن الحسن تجسد به صلوات ربي وسلامه عليه وهذا ما تفيده الظرفية كما هو معلوم.
ومما ينبغي أن يعلم ان موضوع الأسوة والقدوة والاتباع بحث مفصلا في كتب اصول الفقه، فقال الآمدي (ت: 631 ه) : إِذَا فَعَلَ النبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِخِطَابٍ سَابِقٍ، وَلَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَعُلِمَتْ لَنَا صِفَتُهُ مِنَ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ إِمَّا بِنَصِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَتَعْرِيفِهِ لَنَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَمُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّنَا مُتَعَبَّدُونَ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ كَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَلَّادٍ، وَقَالَ بِالتَّأَسِّي فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْجُمْهُورِيُّ وَدَلِيلُهُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ التَّأَسِّيَ بِالنبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ لَوَازِمِ رَجَاءِ اللهِ تَعَالَى وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّأَسِّي عَدَمُ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ الرَّجَاءُ للهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ. وَالْمُتَابَعَةُ وَالتَّأَسِّي فِي الْفِعْلِ: هُوَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَفْعَالِهِ كَرُجُوعِهِمْ إِلَى تَزْوِيجِهِ لِمَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَرَامٌ وَفِي تَقْبِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَجَوَازِ تَقْبِيلِهِ وَهُوَ صَائِمٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
(1) التحرير والتنوير: (11/ 305) .