وعبر عنه بوصف الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا بأفعاله وأقواله، ويتخلقوا بأخلاقه وأحواله، ونبه على ان الذي يحمل على التآسي به - صلى الله عليه وسلم - إنما هو الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان بالقيامة، وأن الموجب للرضا جبلة له {يَرْجُو اللهَ} أي: في جبلته أنه يجدد الرجاء مستمرًا للذي لا عظيم في الحقيقة سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده {وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} ، الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بأعمالهم، فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير، ومنعه من كل شر، فإنه يوم التغابن، لأن الحياة فيه دائمة، والكسر فيه لا يجبر.
ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ عن المراقبة لأنه في جبلته، فأسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصديقًا لما في جبلته من الرجاء، فعطف عليه، أو على {كان} المتقضية للرسوخ قوله: {وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} الذي له صفات الكمال، وقيده بقوله: {كثيرًا} تحقيقًا لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح، وأن المراد منه الدائم في حالي السراء والضراء [1] .
وأضاف الالوسيّ فقال:
يجوز أن يراد بالأسوة القدوة بمعنى المقتدي على معنى هو صلى الله تعالى عليه وسلم في نفسه قدوة يحسن التأسّي به، وفي الكلام صنعة التجريد وهو أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في الإتصاف، والآية وإن سيقت للاقتداء به عليه الصلاة و السلام في أمر الحرب من الثبات ونحوه فهي عامة في كل أفعاله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا لم يعلم أنها من خصوصيّاته
ووضع اليوم الآخر بمعنى يوم القيامة موضع الثواب لأن ثوابه تعالى يقع فيه فهو على ما قال الطيبيّ من إطلاق اسم المحل على الحال والكلام؛ والفائدة فيه الحث على التأسي وإبدال الأسم الظاهر من ضمير المخاطب هذا الإبدال جائز عند الكوفيين والأخفش [2] .
وحقق ابن عاشور المسألة قائلا:
حق الأسوة أن يكون المؤتسى به هو القدوة ولذلك فحرف {في} ، جاء على أسلوب ما يسمى بالتجريد المفيد للمبالغة إذ يجرد من الموصوف بصفة موصوف مثله ليكون كذاتين؛
(1) نظم الدرر: (6/ 91)
(2) روح المعاني: (21/ 167) .