الصفحة 23 من 34

قال الزمخشري:

فإن قلت: فما حقيقة قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . وقرئ: {أُسوة} بالضم؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أنه في نفسه أسوة حسنة، أي: قدوة، وهو المؤتَسى، أي: المقتدى به، كما تقول: في البيضة عشرون منا حديد، أي: هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع. وهي المواساة بنفسه: لمن كَانَ

يَرْجُو اللهَ بدل من لكم، كقوله: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ} (الأعراف: 75) {يرجو الله واليوم الآخر} : من قولك رجوت زيدًا وفضله، أي: فضل زيد، أو يرجو أيام الله. واليوم الآخر خصوصًا. والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف {وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا}

وقال بعضهم كلمة: {في} تجريديّة جرد من نفسه الزكية شئ وسمى قدره وهى هو يعنى أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه أُسوة وقدوة يحسن التأسي والاقتداء به ... وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية الى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الأتساء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال الحكيم الترمذي الاسوة في الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته في قول وفعل؛ فمتابعة الرسول تجب على كل مؤمن حتى يتحقق رجاؤه ويثمر عمله لكونه الواسطة والوسيلة وذكر الرجاء اللازم للإيمان بالغيب في مقام النفس وقرن به الذكر الكثير الذى هو عمل ذلك المقام ليعلم أن من كان في البداية يلزم متابعته في الأعمال والأخلاق والمجاهدات بالنفس والمال اذ لو لم يستحكم البداية لم يفلح بالنهاية، ثم اذا تجرد وتزكى عن صفات نفسه فليتابعه في موارد قلبه كالصدق والإخلاص والتسليم ليحتظى ببركة المتابعة بالمواهب والاحوال وتجليات الصفات في مقام القلب كما احتظى بالمكاسب والمقامات وتجليات الافعال في مقام النفس [1] .

وقال البقاعي:

{أسوة} ، أي: قدوة عظيمة - على قراءة عاصم بضم الهمزة، وفي أدنى المراتب - على قراءة الباقين بالكسر، تساوون أنفسكم به وهو أعلى الناس قدرًا يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه فضلًا عن أن يسوي نفسه بنفسه، فيكون معه في كل أمر يكون فيه، لا يختلف عنه أصلًا.

(1) تفسير الكشاف: (3/ 539) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت