فماذا قال العكبري؟ أورد أوجهًا ثلاثة لمتعلق الجار والمجرور [1] ، وجاء في الوجه الثاني ما نصه:"أنَّ"من الذين"متعلق بنصير، فهو في موضع نصب به كما قال {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ} [غافر: 29] ؛ أي: يمنعنا [2] ."
والمقابلة بين هذين النصين تَهدي إلى أنَّ العكبري لخَّص كلام أبي علي تلخيصًا جامعًا غير مخل، بعد به عن الأسلوب المنطقي الذي يبدو عند أبي علي.
وقد جاء في"المغني"لابن هشام ما يقطع بأنَّ هذا التوجيه الإعرابي إنما هو لأبي علي حسبُ:
قال ابن هشام:"وقد تقع حيث مفعولًا به، وفاقًا للفارسي، وحمل عليه {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاتِهِ} [3] ، فهذا صريحٌ في نسبة هذا التوجيه إلى أبي علي، وقد أسند أبو حيان توجيه الفارسي إلى الحوفي [4] وهو خطأ؛ لأنَّ أبا علي أسبق من الحوفي، إذ تُوفي الأخير سنة 430 هـ [5] ."
ولأنَّ أبا علي يحتفل في كتاب"الحجة"بإعراب المشكل من آي كتاب الله، عد بذلك منبعًا لأولئك الذين ألْقوا كتب إعراب القرآن، ولأولئك المفسرين الذين منحوا فضل اهتمام بإعراب القرآن، أمثال أبي حيان في كتابه"البحر المحيط"، وسأضرب مثلا لإعراب أبي علي لآية من آي القرآن ثم أدلل كيف توزعها المعربون من بعده والمفسرون.
قال أبو علي: ومما جاء غير فيه صفة قوله - عزَّ وجلَّ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] ، فمن رَفَع"غير"كان وصفًا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم، كما كان قوله - عزَّ وجلَّ - الذين أنعمت عليهم كذلك، والتقدير لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء والمجاهدون.
(1) "إعراب القرآن"للعكبري 1/ 103.
(2) "مغني اللبيب"1/ 114.
(3) انظر:"المحيط"4/ 216.
(4) انظر:"المحيط"4/ 216.
(5) انظر:"بغية الوعاة"ص 325.